أزمة أمريكا المالية.. تحدد الرئيس وتضعه في مأزق

إسلام أون لاين 8\10\2008

على نقيض الانتخابات الأمريكية السابقة التي جرت في عام 2004، والتي سيطر عليها إلى حد كبير القضايا الأمنية وهواجس الأمن القومي بشكل استثنائي لاقتراب موعدها من هجمات 11 سبتمبر 2001، فإن الحملة الانتخابية الجارية الآن عادت إليها وبقوة القضايا والأبعاد الاقتصادية، حتى قبل الأزمة المالية الراهنة، لتكون العامل الأكثر حسما في تحديد أي من المرشحين الديمقراطي باراك أوباما أو الجمهوري جون ماكين سيكون رئيس أمريكا المقبل.

وقد أضاف التزامن بين اقتراب موعد الانتخابات الرسمي يوم 4 نوفمبر القادم وبين الأزمة المالية التي عصفت بكبرى مؤسسات وول ستريت المالية، وهددت مستقبل أكبر اقتصاديات العالم، اهتماما استثنائيا إضافيا للناخب الأمريكي الذي عادت لأذهانه ذكريات الكساد الكبير الذي عاشته الولايات المتحدة وبقية دول العالم في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي، فقد رأى أكثر من 40% من الأمريكيين أن هذه الأزمة من أكبر الأزمات المالية التي واجهتهم طيلة حياتهم.

ومن تتبع المناظرة الثانية بين المرشحين سيلحظ على الفور كيف تبارى المرشحان في تقديم حلول ناجعة للأزمة وتخفيف الأعباء عن المواطن، في محاولة للظهور أمام جمهور الناخبين أنه الأفضل والأكثر قدرة على الخروج بالاقتصاد الأمريكي من تيه مظلم، يبدو الخروج منه معضلة صعبة مستعصية على الحل في المستقبل القريب.

لذا فإن الأمر المؤكد أن هذه الأزمة سوف تلعب دورا هاما في تحديد من سيكون الرئيس القادم للولايات المتحدة، ويمكن إرجاع هذه الأهمية إلى عدد من العوامل أبرزها:

أولا: يدور الحديث حول أن هذه الأزمة تعتبر – حتى الآن – آخر حلقة في سلسلة إخفاقات الإدارة الجمهورية بقيادة الرئيس الأمريكي جورج بوش، فقد أدت السياسات التى اتبعتها الإدارة داخليا وخارجيا إلى مزيد من الأعباء على الاقتصاد الأمريكي؛ إذ بلغ مقدار الدين القومي للولايات المتحدة أكثر من عشرة تريليونات دولار، يتحمل كل مواطن أمريكي نصيبا من هذا الدين يقدر بأكثر من 33 ألف دولار.

وقد ساهمت سياسات بوش في زيادة حجم هذا الدين بمقدار 4 تريليونات دولار، فعندما استلم قيادة الولايات المتحدة كان الدين القومي يقدر بحوالي 5.727 تريليونات دولار، أيضا لا يمكن إغفال التكلفة الكبيرة التي تتحملها الولايات المتحدة في حروبها الخارجية، خصوصا في أفغانستان والعراق، والتي وصلت إلى أكثر من 700 مليار دولار.

ثانيا: إن هذه الأزمة بالرغم من أنها تحمل الكثير من السلبيات في طياتها، إلا أن هناك جانبا إيجابيا – من وجهة نظر الكثير من نخبة المجتمع الأمريكي – يمكن تلمسه في هذه الأزمة، فهي تمثل فرصة حقيقية أمام الساسة الأمريكيين للتعمق فيما تطرحه من تحديات كبرى أمام مستقبل الولايات المتحدة كقوة عظمى، والوقوف على جوهرها المتمثل في ضرورة الحفاظ على القوة الأمريكية – الاقتصادية منها بصفة خاصة – ومكانتها في النظام الدولي بصفة عامة، ومن ثم تحديد أولويات المرحلة القادمة وما يمكن أن تتم التضحية به في سبيل أمور أخرى أكثر أهمية متعلقة بوضع الولايات المتحدة عالميا.

ثالثا: تكشف استطلاعات الرأي التي جرت مؤخرا عن تفوق واضح لأوباما على ماكين في عدد من الولايات المهمة، والتي فاز بها المرشح الجمهوري جورج بوش في انتخابات 2004 الرئاسية، وعلى رأسها ولايات مثل أوهايو، وفلوريدا، وفرجينيا، ونورث كارولينا، وكولورادو، وميسوري، وإنديانا، وبالتالي فإن تعاملا فعالا مع الأزمة وتقديم سياسات وإجراءات تخرج الاقتصاد الأمريكي من عثرته سوف يكون عاملا حاسما إما في مزيد من الترجيح لكفة المعسكر الديمقراطي ومرشحه، أو تدفع بأسهم المرشح الجمهوري لتلحق بنظيره الديمقراطي.

رؤى انتخابية مختلفة

وفي خضم تصاعد الأزمة المالية جاءت أولى وثاني المناظرات الانتخابية بين المتنافسين على الرئاسة الأمريكية لتكون لهذه الأزمة الأولوية في ساحات الصراع الرئيسية بين الطرفين، وبطبيعة الحال قدم كل منهما رؤيته للأزمة وسبل التغلب عليها.

فمن جانبه، أكد الجمهوري جون ماكين أن الأزمة المالية هي نتيجة لعلاقات الشللية والفساد الذي انتشرت في النظام المالي ومؤسسات وول ستريت المالية، وهذه الأمور يمكن أن يتم القضاء عليها بوصول مجموعة من الإصلاحيين مثله ومثل نائبته سارة بالين إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، وبالرغم من أن المرشح الجمهوري ظل طوال فترة تواجده داخل مجلس الشيوخ والبالغة 22 عاما مؤيدا لسياسات التحرر الاقتصادي، إلا أنه بعد هذه الأزمة أظهر قدرا من الانفتاح على إمكانية الحد من تلك السياسات وتطبيق عدد من الإجراءات الرقابية على الأنشطة المالية في وول ستريت، وقدم خطة تقوم على عدد من النقاط، أولها: إنشاء جهاز رقابي له سلطات وصلاحيات كبيرة تمكنه من إنقاذ مؤسسات الإقراض في حالة الخطر، وثانيها: اتخاذ مجموعة من الإجراءات التي تسهم في زيادة الشفافية في التعاملات المالية، وثالثها: تسهيل عمل الوكالات الفيدرالية المضطلعة بمهمة مراقبة عمل البنوك ومؤسسات الاستثمار والرهن العقاري، وأخيرا: تشديد الإجراءات القانونية لمواجهة الإقراض المتزايد.

وفي المعسكر الديمقراطي انتقد أوباما سياسات التحرر الاقتصادي التي اتبعها الجمهوريون خلال الفترة الماضية، والتي أدت إلى شعور عام بأن الإجراءات الرقابية والتدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي كلها أمور غير حكيمة وغير مرغوب فيها، وشدد أوباما على ضرورة اعتماد برنامج لمساعدة ملاك المنازل وأصحاب الأعمال والطلبة المتعثرين في تسديد القروض المستحقة عليهم، وضرورة تشديد مسئولية الشركات والمؤسسات المالية عن أي فشل تتعرض له، والتنويه عن إمكانية تقديم مساعدات مؤقتة للمؤسسات المتعثرة، مع تشديد الرقابة الحكومية على هذه المؤسسات، وأخيرا التعاون مع الدول الأخرى المتأثرة بالأزمة المالية في إدخال تغيرات جوهرية على النظام المالي العالمي.

وفي أعقاب المناظرة الأولى أظهرت استطلاعات الرأي أن أوباما قدّم أداءً أفضل بكثير من منافسه الجمهوري، وحصل على نسبة تأييد تصل إلى 46% مقارنة بنحو 34% لجون ماكين، وأكد الذين شاهدوا المناظرة أن أوباما سيكون أفضل من ماكين في التعامل مع تداعيات الأزمة المالية.

أيضا رجحت هذه الأزمة كثيرا من أسهم المرشح الديمقراطي لدى الناخب الأمريكي، الأمر الذي تم التعبير عنه في صورة تأييد متزايد له، فقد أشار 29% من الناخبين المسجلين أن الأزمة المالية جعلتهم أكثر اقتناعا بالتصويت له مقارنة بـ23% قالوا إنهم سوف يصوتون للمرشح الجمهوري جون ماكين، ولكن في نفس الوقت أكد 43% من العينة – التي تم استطلاع رأيها – أن الأزمة المالية لن تؤثر على سلوكهم التصويتي في الرابع من نوفمبر القادم.

وكانت النتائج التي أشارت إليها آخر استطلاعات للرأي على المستوى القومي، وأجريت خلال الأسبوع الماضي، قد أكدت أن أوباما يتفوق على ماكين في التعامل مع مسائل الاقتصاد بفارق كبير، ولكن بخصوص التعامل مع الأزمة المالية تضاءل الفارق بين أوباما وماكين ليصل إلى 47% يرون أن أوباما أكثر قدرة، في حين رأى 42% أن ماكين سيكون أكثر قدرة على تخطي الأزمة المالية.

الأزمة المالية.. المأزق المستمر

وعلى أية حال فقد أضحت الأزمة المالية وتداعياتها محورا جوهريا في تحديد الرئيس القادم للولايات المتحدة، وهذا يعتمد على عدد من العوامل التي ستحدد – إلى حد بعيد – السلوك التصويتي للناخب الأمريكي.

ويكمن أول هذه العوامل في أن هذه الأزمة جاءت لتشكل عقبة جديدة أمام المرشح الجمهوري وتصعب من مهمته، فالمؤكد أن هناك شعورا عاما لدى المواطنين الأمريكيين رافضا للسياسات التي اتبعتها الإدارة الجمهورية على مدار السنوات الثماني الماضية في الحكم، فقد كلفت هذه السياسات الولايات المتحدة الكثير على المستويات السياسية والاقتصادية، وقد كشفت استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخرا عن أن ثمانية من بين كل عشرة مواطنين أمريكيين يرون أن بلادهم تسير في الاتجاه الخاطئ بشكل عام.

هذا الشعور الرافض لسياسات الجمهوريين أدى إلى حالة من عدم التفاؤل حول مستقبلهم ومستقبل الولايات المتحدة ككل، حتى بعد أن فاجأ ماكين الناخبين الأمريكيين والساحة السياسة في الولايات المتحدة باختيار سارة بالين – حاكمة ولاية ألاسكا – لتكون مرشحة لنائب الرئيس على تذكرة الجمهوريين الانتخابية، هذا الاختيار الذي أراد به ماكين أن يظهر إرادة التغيير التي يحملها في الفترة القادمة، لمواجهة شعار التغيير الذي جعله أوباما رمزا لحملته الانتخابية وسياسة سوف يعمل على اتباعها إذا فاز بمقعد الرئاسة، ليكسر به الجمود الذي أصاب الساحة السياسية الأمريكية.

أما ثاني هذه العوامل فيتمثل في أن تعامل كلا المرشحين مع الأزمة المالية جاء في صورة تقديم مجموعة من المبادئ العامة دون التطرق إلى الكيفية التفصيلية التي سيتم بها علاج الأزمة، فضلا عن أنه تعامل يركز على المدى القصير فقط بتوفير السيولة النقدية التي يجب ضخها في الأسواق لإنقاذ المؤسسات المالية التي توشك على الانهيار بإعلان إفلاسها، ولكن أحدا منهما حتى الآن لم يلتفت إلى جوهر هذه الأزمة وإمكانية أن تستمر لفترة زمنية قادمة ليست بالقصيرة.

فالمؤكد في الوقت الحالي أن الأزمة المالية التي ضربت الولايات المتحدة هي فقط جزء من تحد كبير يواجهها على المدى الطويل، فأمريكا ما تزال غارقة في الديون، وهناك اتجاه في الوقت الحالي بين المواطنين والشركات الأمريكية يقول إن الأوضاع الاقتصادية الآنية لو استمرت حتى عام 2040 فإن الحكومة الفيدرالية سوف تنفق ضعف ما تجنيه من عائدات، وبالتالي فإنهم يتساءلون من سينقذ الولايات المتحدة ذاتها في هذا الوقت؟!

ويتمثل ثالث هذه العوامل في أن توفير مصادر تكون قادرة على ضخ الأموال اللازمة لوضع خطة الإنقاذ التي أقرها الكونجرس موضع التنفيذ سوف يكون أمرا صعبا للغاية، وبالطبع سيكون على حساب العديد من البرامج والسياسات التي طرحها كلاهما في حملته الانتخابية، وبالتالي سوف يقتضي هذا من المرشحين تأجيل بعض البرامج والسياسات المقترحة من أجل تنفيذ خطة الإنقاذ.

فمن جانبه اقترح المرشح الديمقراطي في المناظرة الثانية عددا من البرامج المهمة التي ستكون لها الأولوية في التنفيذ وعلى رأسها برامج استقلال الطاقة والرعاية الصحية والتعليم وإعادة إعمار البنية التحتية الأمريكية، ولكن تدارك الأزمة المالية ربما يعطل، وربما لأجل غير مسمى، من تنفيذ الكثير من هذه البرامج، أما المرشح الجمهوري فقد اقترح تخفيض المخصصات المالية المقدمة لمختلف الأمور الحياتية للمواطن الأمريكي ولكن دون المساس ببرامج الدفاع والمخصصات المالية لبرامج قدامى المحاربين.

أخيرا.. فإن كلا المرشحين وعد الناخبين والمؤيدين له بتغيير واسع النطاق إذا أصبح رئيسا، لكن هل ستكون هذه الوعود الفضفاضة العامل الحاسم في تحديد الرئيس القادم القادر على التعامل مع الأزمة بفعالية تنقذ أكبر اقتصاديات العالم من الانهيار، وتحافظ على وضع الولايات المتحدة كقوة عظمى في النظام الدولي، فما بين فلسفة اقتصادية تقوم على التحرر الاقتصادي ومستوى ضرائب منخفض يدعمه المرشح الجمهوري جون ماكين، وفلسفة تشكك في جدوى التجارة والنظام المالي وفرض ضرائب أكثر على الدخل وعدد متنوع من الإجراءات التنظيمية على الأنشطة الاقتصادية، سوف تتحدد خيارات الناخب الأمريكي في الانتخابات الرئاسية القادمة.

——————————————————————————–

باحث سياسي.

http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1221720622457&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s