الحريات المدنية.. البعد الغائب في الانتخابات الأمريكية

تغيب قضية الحريات المدنية بشكل واضح عن القضايا المطروحة في سباق الرئاسة الأمريكي، أو على الأقل لم تحظ بالاهتمام الكافي، على الرغم من أن صورة الولايات المتحدة، كدولة ديمقراطية تحترم حقوق مواطنيها وحرياتهم المدنية، أصبحت موضع تساؤل كبير.

ولم تقتصر تداعيات الحرب الأمريكية على الإرهاب فقط على الإخفاقات التي منيت بها السياسة الخارجية الأمريكية، أو الأزمة المالية التي عصفت باقتصادها مؤخرا، بل سبقها تدني أوضاع الحريات المدنية داخل الولايات المتحدة.

نظام ديمقراطي.. وأزمة حريات

قد يتساءل البعض: لماذا يثار الحديث عن أزمة الحريات المدنية في بلد يعتبر من أعرق الديمقراطيات في العالم؟. وبطبيعة الحال تقوم دعائم النظام الديمقراطي على احترام الحقوق والحريات الأساسية للإنسان.

ولكن الحيرة سرعان ما تزول إذا أخذنا في الاعتبار ثلاثة عوامل رئيسية تدفع باتجاه الحديث عن هذه الأزمة: أولها متعلق بطبيعة النظم الديمقراطية بصفة عامة، حيث تقتضي طبيعة هذه النظم أن يكون هناك دوما آليات ذاتية لتصحيح المسار إذا انحرفت خطوات النظام عن الخط المرسوم لها سلفا، وهي نفسها الآليات التي تحاول دائما العمل على تطوير وسائل وأدوات عمل النظام، حتى يواكب كافة التطورات والمتغيرات، وكل ذلك يأتي في سياق مبادئ الشفافية والمسئولية والمحاسبة التي لا قيام لجوهر الديمقراطية بدونها، ويدخل الحديث عن الأزمة التي تعانيها الحريات المدنية في أمريكا ضمن هذا الإطار.

أما العامل الثاني فمرتبط بالظروف الراهنة التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية، خصوصا منذ وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي فرضت بدورها الحديث عن أزمة للحريات المدنية، حيث بات الشعور بالأمن متفوقا على ما عداه في حياة المواطن الأمريكي في ظل لحظة استثنائية لم يكن يتصور أحد على وجه البسيطة أن تعيشها القوة العظمى الأولى في العالم.

ومما لا شك فيه أن أحداث سبتمبر 2001 قد خلقت حالة من عدم التوازن عاشها ليس فقط المواطن الأمريكي بل النظام السياسي ككل، وبات محتما على الجميع هناك إعادة النظر في جميع المعادلات السياسية التي تحكم هذا النظام منذ أن وُضعَت لبنته الأولى على يد الآباء المؤسسين له، من أمثال جيمس ماديسون وجورج واشنطن وتوماس جيفرسون.

فبعد أن كانت مبادئ الفردية واحترام خصوصيات الأفراد وحرياتهم وحقوقهم الأساسية هي المرشد والدليل الأول والأخير لمعظم التعديلات التي أدخلت على الدستور الأمريكي والقوانين والتشريعات التي سنها الكونجرس الأمريكي، أضحت هناك أشياء أخرى تقوم بهذا الدور، حيث سعت الإدارة الأمريكية الحالية تحت رئاسة بوش الابن إلى إرساء معادلة جديدة تحكم النظام السياسي في الولايات المتحدة، وهي “الأمن مقابل التضحية بمساحة كبيرة من الحريات المدنية”، والتي اعتبرت لفترة طويلة ثوابت لا يجوز إثارة أي جدل بشأنها.

واستغلت الإدارة الأمريكية الحالية حالة الهلع الذي أصاب الجميع داخل الولايات المتحدة، واستطاعت تمرير هذه المعادلة في صورة عدد من التشريعات والإجراءات القانونية والأوامر الرئاسية، والتي بدورها انتهكت ما كان يعتبر حتى ما قبل الحادي من سبتمبر من مقدسات – إن جازت التسمية – الحياة في المجتمع الأمريكي، وجوهر “الحلم الأمريكي”.

ويتعلق العامل الثالث بعودة قضية الحريات المدنية إلى ساحة النقاش في السباق نحو الانتخابات الرئاسية، التي تجري في الرابع من نوفمبر الجاري، وإن لم يكن بصورة كبيرة، خصوصا من جانب المرشح الديمقراطي أوباما.

إرث بوش.. تقييد الحريات

كان إعلان الرئيس الولايات المتحدة الحملة الدولية على الإرهاب، بمثابة فرصة استغلها الرئيس بوش جيدا للتوسع في تفسير الصلاحيات والسلطات المخولة له بمقتضى أحكام الدستور، وطمس الحدود التي يفرضها مبدأ الفصل بين السلطات، باعتبار أن الولايات المتحدة في حالة حرب دائمة، حتى نظر إليه من قبل كثير من الأمريكيين بوصفه “الرئيس الإمبريالي” الذي حذر منه الآباء المؤسسون.

وطبقا لبوش فإن المشكلة التي تواجهها أمريكا في حربها ضد الإرهاب، خاصة على المستوى الداخلي، تتمثل في أن هناك الكثير من الحقوق والحريات التي يتمتع بها المواطن الأمريكي في مقابل سلطات محدودة لقوات الأمن والمخابرات، وساد إدراك لدى الكثير من مسئولي الإدارة أن مزيدا من الحريات سيكون أمراً معوقا أمام حماية الولايات المتحدة من الأخطار المحدقة بها في عالم اليوم.

وقد ساقت الإدارة عددا من الحجج بررت بها هذه الإجراءات المقوضة للحقوق والحريات المدنية، منها أن وثيقة الحقوق في الولايات المتحدة تم إقرارها للعمل بها وقت السلم. أما في وقت الحرب، فإن من حق الحكومة الفيدرالية أن تعلق تنفيذ أحكام هذه الوثيقة وتفرض تنفيذ ما تراه ملائما لمواجهة هذا الظرف، كما رفضت إدارة بوش اعتبار الإرهابيين محاربين بالمعنى القانوني المتعارف عليه في القانون الدولي العام؛ لذلك فإن الحقوق المقررة للمحاربين في وثيقة الحقوق لا يمكن أن تمتد لتشملهم.

ودفعت الإدارة الكونجرس هو الآخر إلى تبني عدد من القوانين التي كانت بمثابة تقنين لهذه الانتهاكات، علاوة على اتخاذ عدد من الإجراءات من أهمها السماح لوكالة الأمن القومي بمراقبة المكالمات التليفونية الدولية للمواطنين الأمريكيين، بالإضافة إلى تتبع ومراقبة رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بهم دون الحصول على إذن قضائي مسبق، كما ينص الدستور الأمريكي وغيره من القوانين الأمريكية.

لذلك شهدت عملية تجديد العمل بقانون “رقابة المخابرات الخارجية”، (الذي أقر عام 1978، وتضمن تأكيد ضرورة الحصول على إذن قضائي مسبق قبل القيام بأي عملية مراقبة لمكالمات ومراسلات المواطنين الأمريكيين)، الكثير من عمليات الشد والجذب بين الإدارة والأغلبية الديمقراطية المسيطرة على الكونجرس.

وكان القانون قد تم الانتهاء من العمل به في فبراير 2007، وبالتالي كان المطلوب تعديله وتطويره من أجل تمديد العمل به، وقد حاولت الأغلبية الديمقراطية فى هذا الخصوص إجبار الرئيس على الالتزام بالقواعد والإجراءات التي يفرضها هذا القانون، ومن بينها ضرورة احترام الحريات المدنية للأفراد، فضلا عن تطوير هذا القانون ليواكب التطورات الجديدة التي أحدثتها الثورة التكنولوجية والمعلوماتية.

وبالفعل تم إقرار القانون، ولكن بصورة جعلت الأمور أكثر سهولة للرئيس الأمريكي للتجسس على المواطنين.

وبالإضافة لما سبق، اتُّهم الرئيس بوش أيضا بانتهاك التعديل الرابع من الدستور الأمريكي الذي ينص على أنه “لا يجوز المساس بحق الناس فى أن يكونوا آمنين في أشخاصهم ومنازلهم ومستنداتهم ومقتنياتهم من أي تفتيش أو احتجاز غير معقول، ولا يجوز إصدار مذكرة بهذا الخصوص إلا في حال وجود سبب معقول، معزز باليمين أو التوكيد، وتبين بالتحديد المكان المراد تفتيشه والأشخاص أو الأشياء المراد احتجازها”.

فمن ناحية حاول الرئيس بوش استبعاد دور القضاء تماما من عملية استصدار مذكرات التفتيش وأعطى لنفسه هذا الحق، ومن ناحية ثانية أصدر بوش ما يسمى بـ”الأمر العسكري”، الذي يعطى الرئيس بوش الحق في تحديد ما إذا كان المتهم يحاكم أمام القضاء المدني أم يحاكم إما محاكم عسكرية.

وكان هذا الأمر مطبق على الأجانب المتهمين بالتخطيط للاعتداء على الأراضي الأمريكية، ولكنه لم يقف عند هذا الحد بل إن احد الباحثين القانونيين المحافظين البارزين فى الولايات المتحدة، ويدعى روبرت بورك، رأى أنه لا غضاضة فى أن يمتد نطاق تنفيذ هذا الأمر العسكري إلى المواطنين الأمريكيين.

وفى سياق هذه الحرب أيضا أعطى الرئيس بوش لنفسه الحق فى إعلان الحرب وتمويلها فى أي مكان وفي أي وقت، برغم أن سلطة إعلان الحرب تعتبر طبقا للدستور الأمريكي من الحقوق الأصيلة التي يتمتع بها الكونجرس الأمريكي، حيث لا يستطيع الرئيس الأمريكي أن يعلن الحرب دون تفويض صريح من أعضائه.

ويعتبر اغتصاب هذه السلطة لصالح الرئيس من أخطر التهديدات لحيز الحريات المدنية الأمريكي، كما أشار الرئيس الأمريكي السابق دوايت أيزنهاور من قبل عندما قال: إن “الأمة لن تستطيع ضمان حريتها في حالة الحرب المستمرة”، إذا كان قرار الحرب بيد الرئيس.

وسعى بوش أيضا إلى زيادة السلطات المخولة له فيما يتعلق باعتقال واحتجاز الأفراد، منتهكا بذلك التعديل الخامس من الدستور الأمريكي، الذي تدور فحواه حول عدم جواز اعتقال أي شخص لاستجوابه بشأن أي جريمة دون صدور قرار اتهام.

ولكن بوش أعطى لنفسه الحق فى اعتقال الأفراد وإيداعهم فى السجون والمعتقلات دون توجيه اتهام رسمي لهم، ولم يتوقف الأمر عند مجرد الاحتجاز بل أعطى لنفسه سلطة نقل هؤلاء المعتقلين إلى بلدان أخرى غير الولايات المتحدة، حيث يمكن هناك استجوابهم واستخدام أساليب شديدة الوحشية فى التحقيق معهم.

وساعده على ذلك تمرير الكونجرس لما يعرف بقانون اللجان العسكرية فى عام 2006، والذي سمح للرئيس بإنشاء محاكم خاصة لمحاكمة معتقلي جوانتانامو، وإعطائه الحق أيضا في خرق اتفاقيات جينيف.

وأشارت العديد من التقارير الإعلامية إلى أن عملاء المخابرات الأمريكية قد استخدموا أساليب تعذيب في التحقيق مع الكثير من السجناء خصوصا في معتقل جوانتانامو، وأن الإدارة الأمريكية قد تخلصت من شرائط التسجيلات التي تظهر عمليات التعذيب هذه، ما أثار عددا من التساؤلات من قبيل: إلى أي مدى كانت الأساليب المستخدمة فى التعذيب غير قانونية؟ وهل يمكن أن تكون هذه الأساليب قريبة الشبه بما حدث فى سجن أبو غريب فى العراق؟ وما تأثير مثل هذا العمل على صورة الولايات المتحدة فى العالم؟

ولم يقتصر سجل بوش في انتهاك الحريات المدنية على كل ما سبق، بل سعى أيضا، وبدعم من الكونجرس، إلى توسيع سلطاته فيما يتعلق بالتعاون الإجباري، والذي بمقتضاه يملك موظفي الحكومة إجبار الأفراد على تقديم كل أشكال التعاون في كل ما يطلب منهم.

وبعد سبتمبر 2001، هددت الحكومة الأمريكية العديد من الشركات والمنظمات إذا لم تقدم المعلومات التي تطلبها وزارة العدل، وأرغمت كل معظم المؤسسات العاملة في القطاع الصناعي الأمريكي على تقديم كل المعلومات المتعلقة بعملائها والعاملين فيها إذا كانت هذه المعلومات مطلوبة في تحقيقات رجل الشرطة.

من يصلح تاريخ بوش؟

وبرغم كافة هذه الأمور، لم تحظ قضية الحريات المدنية بموقع متميز في أولويات سباق الحربين والمرشحين للكونجرس وللبيت الأبيض، ونظرة سريعة على البرامج الانتخابية التي طرحها كل الحزبان والمرشحان توضح أن هذا الاهتمام لم يكن بالقدر الكافي أو لا يقدم حلولا جذرية لإحدى الأزمات الأمريكية.

فالمرشح الديمقراطي باراك أوباما قد أولى هذا الموضوع اهتماما أكبر من نظيره الجمهوري جون ماكين، حيث أكد أوباما أن محاربة الإرهاب لا تعني التضحية بحقوق وحريات الأمريكيين، والتي أعلنت الحرب على الإرهاب من أجل حمايتها.

ولئن كان أوباما قد أيد القانون الوطني لمكافحة الإرهاب (قانون باتريوت)، فإنه شدد على ضرورة إدخال بعض التعديلات عليه حفاظا على حقوق وحريات المواطن الأمريكي وخصوصياته، كما أكد على ضرورة المراجعة الدستورية والقضائية لبرامج المراقبة والتنصت خصوصا تلك التي يكون طرفاها مواطنين أمريكيين، ورفض أوباما تماما الاعتقالات التي قامت بها الإدارة الأمريكية دون سند قانوني ودون توجيه تهم واضحة للذين تم اعتقالهم، كما أنه يطالب بإغلاق معتقل جوانتانمو.

أما برنامج الحزب الديمقراطي، والذي تم إقراره في المؤتمر العام الأخير للحزب، فقد أكد الرغبة الملحة لوجود حكومة مسئولة تهتم فقط بحماية الحريات والحقوق وليس بكيفية الفوز في الانتخابات القادمة. وأكد ضرورة “وجود حكومة حكومة مسئولة وأخلاقية تقوم على الشفافية ولا تنتهك حقوق المواطنين وخصوصياتهم”.

وعلى الجانب الآخر، تحتل الموضوعات المتعلقة بالحريات مرتبة متأخرة نسبيا في أولويات جون ماكين الانتخابية، حيث تأتي في مرتبة متدنية مقارنة بالقضايا الأخرى، وإن اهتم ماكين بموضوعات الكرامة الإنسانية والفلسفة القضائية.

وركز ماكين على تقوية السلطتين التشريعية والتنفيذية؛ إذ رأى أن السلطة القضائية هي الحصن الأول للدفاع عن الدستور الأمريكي، إلا أنه أعلن عن ترشيح قضاة يحترمون المبادئ الفيدرالية للنظام الأمريكي، والتي تقوم على جعل سلطات الحكومة الفيدرالية عند حدها الأدنى، واحترام القضاة لسلطات وصلاحيات الكونجرس والرئيس، ما يعني أنه يضع قيودا على عمل السلطة القضائية.

ويبدو كذلك أن الحزب الجمهوري لا يكترث بتلك القضية؛ فلم ترد لفظة الحريات المدنية في برنامج الحزب الجمهوري صراحة، وفضل الحزب استخدام بعض الكلمات الدالة عليها مثل حماية القيم الأمريكية، وعلى رأسها حماية حق المواطنين في حمل السلاح ومعاملة الجميع على قدم المساواة، بل وجاء الحديث عن هذه الحقوق في ذيل البرنامج الانتخابي للحزب الجمهوري.

——————————————————————————–

محمد الجوهري باحث سياسي

إسلام أون لاين 3\11\2008

http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1225613350003&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s