تركيز إعلامي على مخاوف مسلمي أمريكا

تقرير واشنطن – محمد الجوهري

العدد 235، 14 نوفمبر 2009

أضحى الطبيب النفسي في الجيش الأمريكي الميجور نضال مالك حسن الذي ينحدر من أصول عربية إسلامية – والذي كان مقرر إرساله إلى أفغانستان نهاية الشهر الجاري – حديث وسائل الإعلام الأمريكية، بعد قيامه الأسبوع الماضي بإطلاق النار على مجموعة من الجنود الأمريكيين في قاعدة فورت هودFort Hood ، وهو الحادث الذي أسفر عنه مقتل اثني عشر جنديًّا، فضلا عن إصابة حوالي أربعين آخرين.

تكمن خطورة هذا الحادث في عدة نقاط أهمها أنه أُثيرت كثير من علامات الاستفهام حول مستقبل الجنود المسلمين والعرب داخل الجيش الأمريكي، ومدى ولائهم للولايات المتحدة الأمريكية باعتبارهم مواطنين أمريكيين قبل أي شيء هذا من ناحية. كما أثار الحادث لدى الأمريكيين من ذوي الأصول العربية والإسلامية في المجتمع الأمريكي هواجس كثيرة من أن تقوم بعض التيارات باستغلال هذا الحادث لتأليب الرأي العام الأمريكي ضدهم، خاصة في ظل اتجاه البعض إلى تكييف الحادث على أنه حادث إرهابي هذا من ناحية أخرى.

مستقبل المسلمين والعرب في الجيش

أعدت ليز هالوران Liz Halloran تقريرًا لإذاعة NPR أشارت فيه أن الميجور نضال التحق بالجيش الأمريكي في عام 1997، وأن أصوله ترجع إلى أب فلسطيني هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وأشار التقرير إلى أنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 تغير المناخ داخل القوات المسلحة الأمريكية بالنسبة للأمريكيين من أصول عربية وإسلامية، وهذا ما أكدته عائلة نضال، حيث ذكرت أنه بعد وقوع أحداث سبتمبر بدأ كثير من الأطباء العاملين داخل الجيش الأمريكي – مثل الميجور نضال – الشكوى من تعرضهم لكثيرٍ من المضايقات باعتبارهم مسلمين.

ولفتت هالوران Halloran الانتباه إلى أنه في مواجهة مثل هذه المضايقات، ومع انغماس القوات المسلحة الأمريكية في حربين في الشرق الأوسط (العراق وأفغانستان)، بُذلت كثير من الجهود على مستوى عالٍ داخل أروقة وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) من أجل الإبقاء على الجنود الأمريكيين من أصول عربية وإسلامية ضمن القوات المسلحة الأمريكية، واجتذاب مزيدٍ منهم للانضمام إلى الجيش الأمريكي، من خلال مزيد من الحوافز المادية وغيرها من الامتيازات. كما تم اتخاذ عديد من الإجراءات التي من شأنها احترام معتقدات المسلمين الدينية. فتم افتتاح كثير من الغرف المخصصة لصلاة المسلمين داخل الأكاديميات العسكرية، كما تم انتداب كثير من أئمة المساجد لخدمة المسلمين داخل الجيش، وقامت بعض القواعد العسكرية باعتبار أعياد المسلمين محل اهتمام وتقدير من جانبهم. ففي سبتمبر الماضي أعد البنتاجون حفل إفطار رمضاني كبير حضره حوالي 140 شخص.

وانتقل التقرير إلى رصد أحوال بعض الأمريكيين من أصول عربية وإسلامية داخل الجيش الأمريكي، حيث أشارت هالوران Halloran إلى أنه بالرغم من عدم وجود إحصاءات دقيقة حول عددهم داخل الجيش الأمريكي، فإن بعض الخبراء العسكريين يُقدر عددهم بحوالي عشرة آلاف عنصر، إلا أن المصادر الرسمية داخل الجيش تُشير إلى أن عدد هؤلاء لا يتجاوز أربعة آلاف عنصر، وكثير منهم أعلنوا تأييدهم الكبير للجهود التي تقوم بها الولايات المتحدة في كل من العراق وأفغانستان.

وعرض التقرير لأحد النماذج داخل الجيش الأمريكي ويدعى أحمد شمه، والذي انضم إلى قوات المارينز عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث أكد أنه في بعض الأحيان كان يشعر بأنه يعامل كغريب لا ينتمي إلى المكان الذي يخدم فيه، نتيجة فوبيا العداء للإسلام التي انتشرت في الجيش الأمريكي عقب أحداث سبتمبر، حتى إن أحد المدربين له في أحد معسكرات التدريب نعته بـ”إرهابي” ينتمي لتنظيم القاعدة. كما أن شعورًا بالاغتراب بدأ يتسرب إلى الجنود الأمريكيين من أصول عربية وإسلامية، نتيجة عدد من الحوادث التي وقعت بعد أحداث سبتمبر، منها قيام بعض الجنود الأمريكيين بتمزيق نسخة من القرآن في معتقل جوانتانامو. بالإضافة إلى التصريحات التي أطلقها الجنرال وليام بويكن William Boykin والتي أكد فيها أن “الإسلاميين الراديكاليين يكرهون الولايات المتحدة لأن الأمريكيين أمة مسيحية.” هذه التصريحات جعلت شمه يُؤكد أنه لا يجد كلمات يصف بها شعوره حيال وصف المسلمين ومعتقداتهم بمثل هذه الصفات، وقيام القوات الأمريكية باقتحام كثيرٍ من المساجد وتدنيسها. فضلاً عن تعرض القران للإهانة والتمزيق على أيدي القوات الأمريكية.

وفي مقابل مثل هذه الاعتقادات السلبية تجاه الجنود من ذوي الأصول العربية والإسلامية، عرض التقرير لأحد الأمثلة الإيجابية لهؤلاء الجنود الذين ضحوا بأنفسهم من أجل زملائهم الآخرين، وهو مايكل منصور أحد أفراد القوات البحرية ، والذي توفي في العراق عام 2006 في سبيل إنقاذ ثلاث من زملائه الجنود، ونتيجة لهذا العمل قلده الجيش الأمريكي ميدالية شرف.

ثم ينتقل التقرير إلى مناقشة مستقبل وجود الجنود الأمريكيين من ذوي الأصول العربية والإسلامية داخل الجيش الأمريكي، فمع تعقد الأوضاع بالنسبة لهم داخل الجيش، وفي ظل حقيقة انغماس الولايات المتحدة في حربين في منطقة الشرق الأوسط ذات الغالبية المسلمة، في هذه الحروب تحتاج الولايات المتحدة إلى جهود هؤلاء الجنود، لأنها لا يمكن أن تحارب في مثل هذه المعارك – على حد قول أحد المسئولين داخل الجيش ويدعى الكابتن إيريك رحمانEric Rahman بدون أشخاص يتقنون لغات دول منطقة الشرق الأوسط وعلى دراية كبيرة بثقافة شعوبها. ولذلك فإن الحادث الأخير في قاعدة فورت هودFort Hood قد يؤدى إلى تراجع كثير من الأمريكيين ذوي الأصول الإسلامية والعربية عن الانضمام إلى القوات المسلحة الأمريكية.

صلات نضال بتنظيم القاعدة

من جانبه أعد لوي دوبس Lou Dobbs حلقة خاصة في برنامجه LOU DOBBS TONIGHT – الذي يذاع على شبكة CNN الإخبارية – عن الصلات التي ربطت الميجور نضال بتنظيم القاعدة، حيث استهل البرنامج الحلقة بالقول إن هناك عديدًا من التقارير التي أفادت بعلم الجهات الحكومية – خاصة وحدة التحقيقات الفيدرالية – المختصة منذ شهور بصلات الميجور نضال ببعض الجماعات الإرهابية. حيث كشفت المباحث الفيدرالية عن مجموعة من التعليقات التي نشرها على بعض مواقع الإنترنت يمتدح فيها الأشخاص الذين يقومون بعمليات وتفجيرات انتحارية – على حد وصف مقدم البرنامج ـ. كما كانت وكالات الاستخبارات الأمريكية على دراية بمحاولات الميجور الاتصال ببعض العناصر الإرهابية المرتبطة بتنظيم القاعدة، بما فيهم الإمام الأسبق لمركز دار الهجرة الإسلامي بولاية فيرجينيا ” أنور العولقي”.

وفي هذا السياق أشار تقرير أعده بريان تود Brian Todd للبرنامج إلى أن إمام المركز الشيخ العولقي كان قد خضع للعديد من التحقيقات الفيدرالية خلال حقبة التسعينيات حول علاقاته ببعض التنظيمات الإرهابية، ولكن لم يتم إثبات أيٍّ من التهم ضده، كما تم ذكر اسمه في تقرير اللجنة التي كلفت بالتحقيق في أحداث الحادي عشر من سبتمبر. حيث أكد التقرير أن العلاقي كان قد حاول تطوير علاقات مقربة مع بعض المتهمين بالضلوع في هجمات سبتمبر، إلا أن تقرير اللجنة أشار إلى أنه ليس من المؤكد علاقته باثنين من الخاطفين للطائرات التي نفذت هجمات سبتمبر، ولكن الخبراء الأمنيين يصنفونه على أنه إسلامي راديكالي متطرف.

ومن ناحية أخرى أكد دوبس Dobbs أنه بالإضافة إلى الصلات المحتملة بين الميجور نضال مالك حسن وعناصر من تنظيم القاعدة، فإن هناك عددًا من التقارير التي أفادت أنه قبيل إطلاق النار مباشرة نطق بالعربية عبارة “الله اكبر” وبعدها أطلق النار على زملائه، إضافة إلى قيامه بتوزيع نسخ من القران الكريم على جيرانه في صباح يوم إطلاق النار. كما أفادت هذه التقارير أيضًا أنه في الفترة الأخيرة عبر في مناسبات عديدة عن غضبه من الحرب الأمريكية في كل من أفغانستان والعراق. فضلا عن تعليقاته العديدة المناهضة للولايات المتحدة الأمريكية. وفي هذا السياق نقل التقرير عن أحد زملائه خلال فترة الدراسة أن الميجور نضال كان يعتبر نفسه مسلمًا في المقام الأول، وأمريكيًا في المقام الثاني.

تعليقات رسمية حذرة

وعن موقف الإدارة الأمريكية وخاصة الرئيس باراك أوباما، أكد البرنامج أن الرئيس أوباما كان شديد الحذر في تعليقه على الحادث، حيث وصف أوباما الحادث بأنه حادث عنف، ولم يستخدم وصف “الإرهاب”، واتبع الأسلوب ذاته عددًا من القادة والمسئولين في وسائل الإعلام، وهو ما اعتبره دوبس Dobbs ربما يكون التزامًا منهم بالموقف الرسمي للإدارة الأمريكية.

وعلى هذا الصعيد قال بروك بالدوين Brooke Baldwin في تقريره للبرنامج أنه منذ وقوع الأحداث في الأسبوع الماضي تم الكشف عن عديد من التفاصيل التي تؤكد وجود نية متعمدة لدى الميجور نضال للقيام بهجومه، إلا أن وزارة الدفاع ما تزال مترددة في استخدام وصف “الإرهاب” لوصف الحادث، وهو ما وضح من تصريح الجنرال جورج كاسي George Casey الذي دعا فيه كل الجنود الذين لديهم أي معلومات حول الحادث بأن يدلوا بها لقسم التحقيقات داخل الجيش ووحدة التحقيقات الفيدرالية. كما لم يذكر الجنرال روبرت كون Robert Cone كلمة إرهاب في تعليقه على الحادث.

وفى تقريره أيضًا تساءل بالدوين Baldwin حول الدوافع وراء قيام الميجور نضال بإطلاق النار على زملائه، ولذلك أشار إلى أن تعريف وزارة الدفاع لمفهوم الإرهاب يدور حول “استخدام متعمد للعنف بصورة غير قانونية أو التهديد باستخدام العنف غير المبرر قانونًا من أجل إشاعة الخوف في الحكومات أو المجتمعات من أجل تحقيق مجموعة من الأهداف السياسية أو الدينية أو الأيديولوجية.” ولتوصيف مثل هذا الحادث باعتباره حادثًا إرهابيًا أو أنه ليس كذلك، ما يزال محققو الجيش ووحدة التحقيقات الفيدرالية يبحثون عن دوافع الميجور نضال لإطلاق النار، للوصول إلى التكييف القانوني السليم.

وعرض البرنامج لوجهة نظر المحلل المحافظ جيمس كارافانو James Carafano الباحث في مؤسسة التراث The Heritage Foundation الذي أكد أن الرفض الرسمي لوصف الحادث بالإرهابي يثير كثيرًا من علامات الاستفهام حول إغفال السلطات لمجموعة المؤشرات التي عبرت عن احتمالية قيام الميجور نضال بما أقدم عليه من إطلاق للنار في القاعدة العسكرية، ومن ثم إمكانية أن يتم تفادي وقوع هذا الحادث، لو أن السلطات قد أخذت هذه المؤشرات على محمل الجد.

ومن جانبها تناولت شبكة CBS في تغطيتها المفصلة لحادث إطلاق النار تأكيد السيناتور المستقل عن ولاية “كونيكتيكيت” جوزيف ليبرمان رئيس لجنة الأمن الداخلي في المجلس الشيوخ على أنه سيطالب بالتحقيق في ما تناولته بعد التقارير حول قيام الجيش بإغفال عدد من الأدلة والمؤشرات التي كانت تنبئ عن تبني الميجور نضال لبعض الآراء المتطرفة للأيديولوجية الإسلامية. وأكد التقرير أن مطالبة السيناتور جاءت بعد التسريبات التي أفادت بأن نضال كان يتردد على المسجد ذاته الذي كان يذهب إليه اثنان من المتهمين في أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

ومن جانبه أكد مراسل الشبكة بوب أور Bob Orr أن فحص الكمبيوتر الخاص بنضال كشف عن قيامه بزيارة عدد من المواقع الإلكترونية الراديكالية التي تتبنى رؤية متطرفة للإسلام. ولكن رغم ذلك فإن كل الشواهد تدل على أنه عمل بمفرده، ولفت أور Orr الانتباه إلى أن هناك خلافًا بين المسئولين حول التكييف القانوني للحادثة، بمعنى هل سيتم توجيه التهم له طبقًا لقوانين الإرهاب الدولي الفيدرالية، أم طبقا للقانون العسكري بتهمة القتل؟

فطبقًا لقوانين الإرهاب لابد أن تتوافر دلائل حول أن دوافعه انبثقت من تأثره بفكر الجماعات الإرهابية. أو أنه تأثر مباشرة بأيديولوجية إرهابية متطرفة. وفي هذا السياق يؤكد التقرير أن هناك كثيرًا من الأدلة التي تفيد بتأثره بالأيديولوجية الجهادية العالمية، وقد نقل التقرير عن زملائه في الجيش أنه اعتبر أن الحرب الأمريكية ضد الإرهاب هي حرب ضد الإسلام، كما أنه لم يكن قادرًا على فعل أي شيء حيال إرساله إلى أفغانستان، والذي كان مقررًا له أواخر هذا الشهر.

http://www.taqrir.org/showarticle.cfm?id=1425&pagenum=1

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s