من الأمل إلى الجرأة.. تقييم سياسة أوباما الخارجية

بعد مرور ما يقرب من عام على توليه السلطة

من الأمل إلى الجرأة.. تقييم سياسة أوباما الخارجية *

زبيجنيو بريجينسكي

إعداد – محمد الجوهري

إسلام اون لاين 24/12/2009

مكن تقييم السياسة الخارجية للرئيس الأمريكي، باراك أوباما، من خلال النظر إلى جانبين هامين، الأول يتعلق بمجموعة الأهداف التي وضعها الرئيس الأمريكي ومنظومة صنع القرار في السياسة الخارجية الأمريكية، وهذا الجانب واضح ويمكن تتبع تطوره. ويرتبط الجانب الثاني بمجموعة السياسات التي طرحها، ومدى تطبيقها على أرض الواقع، وهو الأمر الذي لا يزال في طور التطور والتقدم.

ومنذ قدومه إلى السلطة بذل أوباما جهودا طموحة من أجل إعادة تعريف رؤية الولايات المتحدة للعالم، وإعادة ربطها بالسياق التاريخي الذي بدأ يظهر في القرن الحادي والعشرين، وتمكن أوباما من القيام بهذا الأمر بنجاح كبير؛ ففي أقل من عام استطاع صياغة اقتراب شامل للسياسة الخارجية الأمريكية، يأخذ في اعتباره العديد من العوامل الجيوبولوتيكية المهمة، من قبيل:

–  الإسلام ليس عدوا، وأن الحرب على الإرهاب ليست هي المحدد للدور الأمريكي في العالم.

– سوف تكون الولايات المتحدة وسيطا عادلا وفاعلا حينما تلعب دورا في التوصل إلى اتفاق سلام دائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

– على الولايات المتحدة أن تسعى حثيثا إلى مفاوضات جادة مع إيران حول برنامجها النووي، وغيرها من الموضوعات المهمة ذات الاهتمام المشترك.

– إستراتيجية قمع التمرد في المناطق التي تسيطر عليها حركة طالبان يجب أن تكون جزءا من جهود سياسية أكبر وأكثر من تركيزها على الجانب العسكري فقط.

– يجب أن تظهر الولايات المتحدة قدرا من الاحترام للحساسيات التاريخية والثقافية الخاصة بأمريكا اللاتينية، علاوة على توسيع علاقاتها مع كوبا.

– يجب على الولايات المتحدة أن تسعى إلى تنشيط التزاماتها المتعلقة بتخفيض ترسانتها للأسلحة النووية، وأن تقبل بالهدف النهائي لعالم خال من الأسلحة النووية.

– تواكبا مع المشكلات العالمية وللعمل على مواجهتها بصورة فعالة؛ فإن الصين يجب معاملتها ليس فقط كشريك اقتصادي ولكن أيضا كشريك إستراتيجي.

– تحسين العلاقات الروسية – الأمريكية هو مصلحة حيوية للطرفين، على أن يتم هذا في سياق قبول الحقائق الجيوبولوتيكية لحقبة ما بعد الحرب الباردة، بدلا من إغفالها.

– وأخيرا السعي إلى شراكة عبر الأطلسي أكثر عمقا، من أجل رأب الصدع الذي حدث فيها نتيجة الخلافات الكثيرة التي شهدتها هذه العلاقة في السنوات القليلة الماضية.

ومن أجل كل هذه الجهود استحق أوباما الحصول على جائزة نوبل للسلام، وفوق هذا استطاع أن يظهر حسا إستراتيجيا عبقريا وفهما جيدا لكل ما يجري في عالم اليوم، وما يجب على الولايات المتحدة أن تفعله على الساحة الدولية.

وبصرف النظر عن كون هذه الأمور ناتجة عن تاريخه الشخصي أو دراسته الأكاديمية أو حتى فهمه البديهي للتاريخ؛ فهي جميعها تمثل رؤية إستراتيجية متماسكة للعالم، استطاع الرئيس الجديد من خلالها أن يقدم معالجات للمعضلات الاجتماعية والبيئية التي تواجه البشرية، وهي المعضلات التي كانت الولايات المتحدة لا تبالي بها لفترة طويلة، إلا أن هذا التقييم الذي نحن بصدده الآن يسعى إلى التركيز على الكيفية التي استجاب بها الرئيس أوباما لمجموعة التحديات الجيوبولوتيكية العاجلة التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية.

تحديات أمام قيادة البيت الأبيض

لقد حدد المنظور العام الذي وضعه أوباما لسياسته الخارجية الملامح العامة لتشكيل فريقه المسئول عن إدارة الملفات الخارجية، هذا الفريق يكمن مركز قوته في البيت الأبيض، فأوباما يعتمد على الخبرة الكبيرة التي يمتلكها نائبه جو بايدن في شئون السياسة الخارجية. أما مستشار الأمن القومي جيمس جونز، فيتولى تنسيق الجهود الرامية إلى ترجمة الرؤية الإستراتيجية للرئيس الأمريكي إلى مجموعة من السياسات القابلة للتنفيذ. ويكمن التأثير الواضح لوزير الدفاع روبرت جيتس في صياغة إستراتيجية الأمن القومي، فمهمته المباشرة والمطلوب منه إنجازها بنجاح تحقيق الانتصار في الحربين اللتين تديرهما الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، ولا يمكن إغفال تأثيره أيضا في قضايا مهمة أخرى مثل إيران وروسيا. وبالنسبة لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون التي تحظى بثقة الرئيس، فإنها تعتبر هي الأخرى فاعل رئيس في عملية صنع السياسة الخارجية، ويتركز دورها إلى حد كبير في الموضوعات والتحديات الكبرى للقرن الحادي والعشرين أكثر من المعضلات والقضايا الجيوبولوتيكية التي كانت سائدة خلال القرن الماضي.

وهناك اثنان من المستشارين يحظيان بثقة كبيرة من جانب الرئيس، هما ديفيد أكسيلورد، ورام إيمانويل، واللذان يراقبان عن قرب العلاقة الحساسة بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية، علاوة على مشاركتهما بفاعلية في منظومة صنع القرار داخل البيت الأبيض. وعلى سبيل المثال كان لهما حضور فاعل في الاجتماعات التي عقدها الرئيس خلال شهر سبتمبر الماضي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وفي حالات معينة تتطلب المناقشات والمفاوضات الدائرة وجود اثنين من السياسيين المخضرمين، هما: جورج ميتشل الذي يشرف على ملف السلام في الشرق الأوسط، وريتشار هولبروك الذي يتولى تنسيق الجهود الإقليمية من أجل مواجهة التحديات القائمة في كل من أفغانستان وباكستان، فهما يعدان امتدادا للعملية التي يديرها الرئيس من خلال مجلس الأمن القومي لصناعة السياسة الخارجية.

في إطار هذا الفريق للسياسة الخارجية يلعب أوباما دور المصدر الرئيس لتحديد التوجهات الإستراتيجية في مجال السياسة الخارجية، إلا أنه في ذات الوقت لا يستطيع أن يكرس كل وقته للقيام بالدور المطلوب في إطار إدارة شئون هذا الفريق، وهذا يعتبر نقطة ضعف كبيرة، لأن المبادر الأول الذي يصيغ السياسة الخارجية للقوة العظمى في العالم عليه أن يقوم بدور نشط في الإشراف على صياغة القرارات الإستراتيجية، ومراقبة تطبيقها، ومدى التزامها بالجدول الزمني المطبق، ولكن أوباما –وبصورة اضطرارية– لم يكن لديه أي خيار سوى المكوث في مكتبه البيضاوي في عامه الأول في السلطة ليراقب ويدير الشئون الداخلية.

ونتيجة لذلك فإن العملية الكبرى لإعادة تعريف السياسة الخارجية قد تم تأخير تنفيذها بواسطة كبار البيروقراطيين في حكومته.. هؤلاء لديهم ميل فطرى للتعامل بحذر، وتفضيل السياسات المألوفة لهم عن تلك التي تعتبر جديدة أو غير معتادة من جانبهم، حتى أن بعضهم لم يكن متحمسا للأولويات التي طرحها الرئيس تجاه منطقة الشرق الأوسط وإيران.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن مستشاري الرئيس للشئون الداخلية أبدوا حساسية كبيرة تجاه ضغوط جماعات المصالح؛ الأمر الذي أضعف كثيرا من قدرة الرئيس على تنفيذ مجموعة الرؤى والسياسات التي طرحها. وفي هذا السياق يبرز رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي مطالب الرئيس الأمريكي بضرورة وقف بناء المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

ومع ذلك كله لا يزال من المبكر جدا تقديم تقييم نهائي للأولويات والسياسات التي يسعى إليها الرئيس الأمريكي، لأن أغلب الموضوعات والقضايا التي طرحها تتضمن مجموعة من المشاكل طويلة المدى لا يمكن معالجتها بالتبعية إلا على المدى الأبعد.

ومع إدراك هذه الحقيقة، ثمة ثلاث قضايا عاجلة يجب الالتفات إليها وتقييمها حتى على المدى القصير لأنها تعتبر بمثابة اختبار جاد وحال لقدرة الرئيس على إحداث تغير جذري في السياسة الخارجية الأمريكية، وهي (الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، والطموحات النووية الإيرانية، والتحديات القائمة في كل من أفغانستان وباكستان). وعلاوة على ذلك فإن هذه القضايا تتمتع بحساسية كبيرة في الساحة السياسية الداخلية.

اللغز الإسرائيلي – الفلسطيني

تعد عملية السلام في الشرق الأوسط هي التحدي الأول دائما، لذلك حاول أوباما منذ البداية اتخاذ زمام المبادرة تجاه هذا الملف خاصة فيما يتعلق بموضوع المستوطنات، وهو موقف يتم تبريره تاريخيا بأنه يصب في مصلحة الولايات المتحدة.

ورغم أهمية هذا الملف، فإن العجز في التوصل إلى حل للصراع الإسرائيلي – الفلسطينيين استمر لفترة طويلة، واستمرار هذه الحالة من العجز سوف تكون له تداعيات خطيرة على الفلسطينيين والمنطقة ككل، وعلى الولايات المتحدة، وفى نهاية الأمر سوف يضر بإسرائيل؛ فجزء كبير من الكراهية والعداء تجاه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ككل نابع من المعاناة وسفك الدماء الناتج عن استمرار هذا الصراع، وللتذكر فإن المبررات التي صاغها أسامة بن لادن لتبرير أحداث 11 سبتمبر تعتبر بمثابة تذكير بأن الولايات المتحدة نفسها يمكن أن تكون ضحية لاستمرار اللغز الإسرائيلي – الفلسطيني.

الآن وبعد مرور أكثر من أربعين عاما على احتلال إسرائيل للضفة الغربية، ومرور أكثر من ثلاثين عاما على انطلاق مفاوضات السلام، لم يعد واضحا أن الفلسطينيين أو الإسرائيليين قادرين على التوصل إلى حل لهذا الصراع بالاعتماد على أنفسهم، وهناك عدة أسباب لهذا الأمر، أهمها أن الفلسطينيين منقسمين على أنفسهم ومن ثم فهم غير قادرين على اتخاذ قرارات حاسمة تدفع عملية السلام إلى الإمام، والإسرائيليين أنفسهم منقسمون على أنفسهم، ومع أنهم أقوياء لكنهم غير قادرين أيضا على اتخاذ قرارات حاسمة فيما يتعلق بمستقبل الصراع.. والنتيجة المنطقية ضرورة وجود مبادرة خارجية قوية تحدد الخطوط الأساسية لعملية التسوية النهائية، وتحدد الطريق نحو بداية المفاوضات بين الجانبين، وهذه المبادرة يمكن أن تأتي فقط من جانب الولايات المتحدة.

ولا يبدو أن هذا المحفز الخارجي في حالته الراهنة متوافقا مع مصالح الولايات المتحدة وإمكانياتها؛ فقد ركزت الولايات المتحدة على موضوع المستوطنات في ربيع عام 2009، إلا أنها تراجعت في مواجهة رفض الحكومة الإسرائيلية لتجميد بناء المستوطنات؛ فالإدارة الأمريكية بسلوكها وسياساتها قد ساهمت في تقوية العناصر المتشددة في الحكومة الإسرائيلية، وفي نفس الوقت قلصت من نفوذ العناصر المعتدلة في الجانب الفلسطيني، كما ضيعت الإدارة الأمريكية الفرصة التي أتاحتها اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، من أجل التوصل إلى إجماع دولي حول الخطوط الأساسية لحل الصراع والتوصل إلى تسوية نهائية له، ولكن كل ما فعله أوباما هو مجرد حث الفلسطينيين والإسرائيليين على التفاوض بحسن نية.

إن الإجماع الدولي القائم حول الصراع يمكن أن يكون عاملا مهما في إطلاق سلسلة من المفاوضات حول أربع نقاط أساسية:ـ

النقطة الأولى: قضية اللاجئين الفلسطينيين، وعدم منحهم حق العودة لتلك الأراضي التي تعتبر الآن جزءا أساسيا من دولة إسرائيل الآن، لأنه من غير المتوقع أن تقبل الحكومة الإسرائيلية بمثل هذا الأمر الخطير حتى ولو من أجل تحقيق السلام. وبدلا من ذلك فإن اللاجئين يجب أن يتم إعادة توطينهم داخل الدولة الفلسطينية، مع دفع تعويضات لهم، بالإضافة إلى إمكانية إظهار بعض الندم على المعاناة التي عانوها، وبالطبع من الصعب أن تقبل الحكومة الوطنية الفلسطينية هذا الخيار، ولكن ليس هناك بديل آخر.

النقطة الثانية: قضية تقسيم القدس، فعاصمة إسرائيل يمكن أن تكون في غرب القدس، ولكن شرق القدس يجب أن يكون عاصمة الدولة الفلسطينية، أما البلدة القديمة يمكن أن يتم تقسيمها في إطار عدد من الترتيبات الدولية، وإذا لم يتم التوصل إلى تسوية مستديمة بشأن القدس تكون جزءا من التسوية النهائية للصراع، فسوف يستمر الاضطراب في الضفة الغربية، ولن يقدم الفلسطينيون على قبول أي عملية للسلام. وبالرغم من أن مثل هذه التسوية بشأن القدس سوف يكون من الصعب على الإسرائيليين القبول بها، لكن بدونها لن يكون هناك أي فرصة للتوصل إلى السلام.

النقطة الثالثة: قضية المستوطنات، إذ يجب أن تتم تسويتها طبقا لخط حدود عام 1967، إلا أن عمليات لمبادلة الأراضي يمكن أن تسمح للمستوطنات الكبيرة أن تظل جزءا من الدولة الإسرائيلية، دون اقتطاع مزيد من الأراضي المخصصة لإقامة الدولة الفلسطينية، وهذا يعني تعويض الفلسطينيين بمجموعة من الأراضي الموجودة في شمال وجنوب الحدود الإسرائيلية مع قطاع غزة.

النقطة الرابعة: على الولايات المتحدة أو حلف الناتو أن يبديا التزاما بوضع جنود على طول نهر الأردن، وهذه الخطوة سوف تدعم من إحساس إسرائيل بالأمن، كما أن من شأنها تقليل المخاوف الإسرائيلية من أن قيام دولة فلسطينية مستقلة يمكن أن يكون بمثابة رأس حربة لهجوم عربي ينطلق ضدها في المستقبل من على حدودها الشمالية.

لقد بذل أوباما الكثير من الجهود من أجل التأثير على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي عبر تلك الاتصالات التي حظيت بدعم دولي كبير، ولكن عدم قدرته على دعم مثل هذه الخطة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الماضية كان بمثابة فرصة ضائعة، خاصة وأن حل الدولتين بدأ يفقد مصداقيته، باعتباره صيغة مقبولة لحل الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين وفي الإقليم ككل. وعلاوة على ذلك فإن هناك عدد من المؤشرات تشير إلى فقدان الولايات المتحدة لثقة العالم العربي، تلك الثقة التي استطاع أوباما أن يكتسبها بعد خطابه في جامعة القاهرة في شهر يونيو.

وسوف تكون الشهور القادمة حاسمة للغاية، كما أن الوقت لاتخاذ قرار حاسم بدأ ينفذ، وفي خطابه أمام الأمم المتحدة طالب أوباما الطرفين، الإسرائيلي والفلسطيني، بضرورة بدء مفاوضات الوضع النهائي في أسرع وقت ممكن، كما أنه صاغ الهدف النهائي من هذه المفاوضات، وهو دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة وفي حدود معينة، تنهي الاحتلال الذي بدأ في عام 1967، ويمكن أن نأمل أن يستغل الرئيس الفرصة التاريخية بعد حصوله على جائزة نوبل للسلام، بإعطاء اهتمام جوهري لمبادرته المتعلقة بالسلام في الشرق الأوسط، إلا أن فريق أوباما للسياسة الخارجية لم يظهر حتى الآن لا المهارات التكتيكية ولا التوجهات الإستراتيجية المطلوبة لدفع عملية السلام إلى الأمام.

التحدي الإيراني

التحدي الآخر، والذي هو على درجة عالية من الخطورة، هو مواجهة أوباما لإيران، ويتضمن التعامل مع طموحات إيران النووية، ودورها في الإقليم؛ فقد قرر أوباما عقد سلسلة من المفاوضات الجادة مع إيران حول برنامجها النووي، وعلى الرغم من المعارضة الداخلية من بعض الأفراد في إدارته، وعلى الرغم كذلك من تأكيد أوباما على أن كل الخيارات مطروحة في التعامل مع إيران، إلا أنه جعل الخيار العسكري يحتل مرتبة متأخرة في قائمة الوسائل الأمريكية للتعامل مع إيران، ولا يزال مستقبل نجاح هذه المفاوضات غامضا وتحوم حوله الكثير من الشكوك.

وفي سياق التعامل الأمريكي مع الملف الإيراني، هناك سؤالان أساسيان يزيدان من تعقيد الموقف، الأول: هل يرغب الإيرانيون فعلا في التفاوض أو قادرين على الدخول فيه بجدية؟.. على الولايات المتحدة أن تكون واقعية حينما تناقش الأمر المتعلق بالمفاوضات مع الإيرانيين، ولأن الوقت يمر ولا يمكن أن يعود مرة ثانية، فإن الإيرانيين لديهم القدرة على تخصيب اليورانيوم وهم لن يتنازلوا عن هذا الأمر، لكن ما يزال هناك إمكانية لمواجهة الطموحات الإيرانية النووية من خلال نظام فاعل للتفتيش على منشآتها النووية. وحتى لو دخلت الولايات المتحدة وشركاؤها للتعامل مع الملف النووي الإيراني في مفاوضات ذات منهجية بناءة، فإن الإيرانيين أنفسهم سوف يعوقون أي جهود من أجل التوصل إلى مخرجات جيدة للعملية التفاوضية، ومن ثم فإن مصداقية إيران يتم تقويضها من خلال سلوك طهران ذاتها، والذي يحاول باستمرار تعقيد أية فرصة للتوصل إلى تسوية بشأن برنامجها النووي، وهذا ما فعلته مع العرض الفرنسي الروسي الأخير الخاص بتخصيب اليورانيوم الإيراني في الخارج.

أما السؤال الثاني: هل لدى الولايات المتحدة الصبر والحساسية للدخول في مفاوضات جادة تتعامل مع عقلية الطرف الآخر؟.. إن استمرار الإصرار الأمريكي على وصف إيران بالدولة الإرهابية والدولة التي لا يمكن الثقة بها يمكن أن يقوض أي جهود نحو مفاوضات جادة بين الطرفين، وسوف يساعد الحكومة الإيرانية في إظهار سلوكها على أنه دفاع عن القومية الإيرانية، ومن شانه أيضا أن يضيق من مساحة الخلافات التي نشبت بين أبناء الشعب الإيراني على خلفية الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وهو الخلاف بين أولئك الذين أعلنوا عن رغبتهم في رؤية رئيس إصلاحي ليبرالي، وبين أولئك الذين تمسكوا بالديكتاتورية.

إن هذه النقاط يجب أن تكون موضوعة في الحسبان عند الحديث عن أي عقوبات جديدة يتم فرضها على النظام الإيراني، ويجب أن تؤخذ كل الاحتياطات التي تضمن أن تكون هذه العقوبات ذكية من الناحية السياسية، وأنها سوف تكون فاعلة في عزل النظام الإيراني أكثر من كونها عمل موحد للإيرانيين؛ وعلى هذا فإن هذه العقوبات يجب أن تعمل على معاقبة المسئولين في السلطة، وليس عقاب الطبقة الوسطى هناك، لأن النتائج الغير مرغوبة لعقوبات غير تمييزية، سوف تعطي الإيرانيين انطباعا بأن الهدف الحقيقي للولايات المتحدة هو منع بلادهم حتى من امتلاك برنامج نووي سلمي، وهذا الأمر -في حال حدوثه- سوف يغذي القومية الإيرانية ويقوي التفاف الشعب حول الحكومة.

وحتى في حالة إتباع أسلوب العقوبات الذكية التي لا تعاقب الشعب الإيراني وطبقته الوسطي، يمكن أن تواجهها عدة من القيود والعقبات على المستوى الدولي؛ فالصين على سبيل المثال، والتي تعتمد بصورة كبيرة على النفط القادم من الشرق الأوسط خاصة من إيران، تخاف من أي عقوبة خشية حدوث أزمة حادة في إمدادات النفط. وروسيا هي الأخرى ما يزال موقفها غامضا، على اعتبار أنها مزود رئيسي للطاقة في أوروبا، ومن ثم فهي من الناحية المالية مستفيدة إلى حد كبير من الأزمة المشتعلة في منطقة الخليج، والتي ستمنع النفط الإيراني من الوصول إلى السوق الأوروبية للطاقة، ومن المنظور الجيوبولوتيكي الروسي، فإن ارتفاعا حادا في أسعار النفط نتيجة أزمة في منطقة الخليج الفارسي سوف يؤدي إلى أضرار اقتصادية كبيرة لكل من الولايات المتحدة وروسيا، ومن مصلحة روسيا أن تظل أوروبا معتمدة على مصادر الطاقة الروسية.

وبسبب هذه العملية المعقدة، فإن هناك حاجة إلى قيادة رئاسية قوية وحاسمة، سيما وأنه توجد مجموعة من الأصوات المؤثرة داخل الولايات المتحدة، سواء داخل الإدارة أو خارجها، لا تفضل العملية التفاوضية من أجل تقليل احتمالية الوصول إلى تسوية معقولة لهذه القضية. ونذكر أنه قبل وصول أوباما إلى السلطة كانت هناك مجموعة من قيادات الصف الثاني في الإدارة الأمريكية يؤيدون مجموعة من السياسات التي تخلق نوعا من الصدام مع إيران، وأجرت هذه المجموعة عددا من المناقشات والمشاورات المشتركة مع الجانب الإسرائيلي بخصوص عمل عسكري مشترك ضدها، وقد أدت الحساسية الكبيرة التي أظهرتها الإدارة الأمريكية تجاه المنشآت النووية السرية التي أعلنت عنها إيران في مدينة قم في أواخر سبتمبر إلى حدوث خلافات داخل الإدارة حول التكتيكات الأنسب للتعامل مع إيران.

أما السؤال الإستراتيجي الأكبر المطروح أمام الولايات المتحدة في الوقت الحالي هو: هل يجب أن يكون الهدف طويل المدى للولايات المتحدة هو تشجيع ظهور إيران كقوة إقليمية مستقرة في الشرق الأوسط؟. بمعنى آخر هل على الولايات المتحدة أن تضع مجموعة من السياسات التي تهدف إلى تشجيع إيران لتكون شريكا للولايات المتحدة وإسرائيل مرة ثانية كما كانت في الماضي؟ أم يجب أن يستمر التعامل الأمريكي مع إيران على أنها دولة عدوانية وعنصر عدم استقرار في المنطقة؟…

إن مخرجات مقبولة للعملية التفاوضية –في حالة استمرارها وعدم توقفها– ما يزال يشوبها الكثير من الشكوك، ولكن يمكن القول إنه مع بداية عام 2010 يمكن إلى حد كبير معرفة ما إذا كانت مخرجات هذه العملية تستحق الاستمرار فيها، أو أنه لم يعد هناك أية فرصة للتوصل إلى تسويات مقبولة بين الجانبين.

وقد أظهر الرئيس أوباما إدراكا كبيرا لهذه الحقيقة؛ مما يستدعي الحاجة إلى الدمج بين التعامل القوي على المستوى الإستراتيجي والمرونة في استخدام الأساليب التكتيكية، فهو ما يزال في طريقه لاكتشاف مدى مساهمة الطرق الدبلوماسية في التوصل إلى حل للقضية، وهو في هذا السياق لم يلزم نفسه بمدى زمني معين لتحقيق هذا الأمر، على عكس فرنسا التي حددت نهاية ديسمبر الجاري كموعد نهائي للتوصل إلى اتفاق، كما أن أوباما لم ينخرط بصورة صريحة في التلويح باستخدام القوة العسكرية ضد إيران.

يجب على الولايات المتحدة إدراك أن انتهاج سياسة أكثر شدة تجاه إيران مثل القيام بعمل عسكري سواء من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل، سوف تكون عواقبه وخيمة على الولايات المتحدة في المقام الأول؛ فإيران في حالة حودث مثل هذا الهجوم يمكن أن تستهدف القوات الأمريكية في أفغانستان والعراق؛ مما سيؤدى إلى تقويض الأوضاع في كلا البلدين، وهذا سوف يحول منطقة مضيق هرمز إلى منطقة حرب، مما سيؤثر على إمدادات النفط والطاقة التي تمر من هذا المضيق.

المعضلة الأفغانية- الباكستانية

أما الموضوع الثالث في مجال السياسة الخارجية فهو المعضلة الأفغانية – الباكستانية، وقد بدأ أوباما بالتحرك نحو التخلي عن بعض الأهداف الطموحة والأيديولوجية، والتي استدعت التدخل الأمريكي في أفغانستان، ولكن على الولايات المتحدة أن تكون حذرة تجاه تدخلها في أفغانستان وباكستان والذي ما يزال مرتكزا حول الأبعاد العسكرية، هذا التدخل الذي أضحى ينظر إليه من قبل الأفغانيين والباكستانيين على أنه نوع جديد من الاستعمار الغربي.

لقد أوضح الكثير من قادة الجيش الأمريكي أن الولايات المتحدة لا تكسب الحرب من الناحية العسكرية، وأشار تقييم صدر مؤخرا إلى أن الصراع مع حركة طالبان يمكن أن يكون مثل ذلك الصراع الذي نشب بين الاتحاد السوفيتي والحركة إبان الاحتلال السوفيتي لأفغانستان.

هذا الأمر دفع العديد من الدول المشاركة في التحالف الدولي هناك إلى المطالبة بإجراء إعادة تقييم شاملة للعمليات والأوضاع، وفي سبتمبر الماضي اقترحت كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا عقد مؤتمر دولي حول هذا الموضوع، وقد كان من الحكمة ترحيب الولايات المتحدة بهذه الفكرة، ولكن لكي تكون الإستراتيجية الجديدة مؤثرة؛ فإنها يجب أن تضع في اعتبارها عنصرين غاية في الأهمية:ـ

العنصر الأول: يجب أن تسعى الحكومة الأفغانية وحلف الناتو إلى عملية حوار وتفاعل محدود مع العناصر المعتدلة داخل الحركة، فحركة طالبان ليست حركة إرهابية عالمية، وبالرغم من أنها تحمل رؤية من القرون الوسطى لمستقبل أفغانستان، إلا أنها لا تهدد الغرب بصورة مباشرة. وعلاوة على ذلك فإنهم ما يزالون أقلية في المجتمع يمكن أن تتم هزيمتهم من قبل بقية الأفغان، والذين بدورهم يجب أن تتم مساعدتهم اقتصاديا وعسكريا من جانب الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو.. هذه الحقائق تتطلب إستراتيجية سياسية أكثر من كونها عسكرية.

العنصر الثاني: تحتاج الولايات المتحدة إلى تطوير سياسة يمكن من خلالها كسب الدعم الباكستاني، ليس فقط من أجل حرمان حركة طالبان من الملاذ الآمن لها، ولكن أيضا من أجل الضغط على طالبان – باكستان لوقف تمردها، وذلك لأن الكثير من الباكستانيين يفضلون سيطرة حركة طالبان بدلا من حكومة علمانية؛ ومن ثم فإن على الولايات المتحدة أن تعمل على تهدئة المخاوف الأمنية لباكستان حتى تضمن تعاونها الكامل في حملتها ضد العناصر المتمردة في حركة طالبان. وفي هذا السياق فإن دعم الصين سيكون عاملا مساعدا للغاية بسبب دورها الجيوبولوتيكي في دعم الاستقرار الإقليمي في المنطقة، فضلا عن علاقاتها القوية مع حكومة إسلام أباد.

وقد أدرك أوباما هذه الحقائق مبكرا، لذلك صاغ إستراتيجية شاملة تهدف إلى التوصل إلى مخرج مقبول لهذا الصراع من الناحية السياسة يقبل به حلفاء أمريكا، ولذا يمكن القول إن الاقتراب الذي صاغه أوباما تم وضعه بإحكام؛ فقد كان حذرا جدا في تقييم الأبعاد السياسية والعسكرية لهذا الصراع، كما أنه اخذ في الاعتبار وجهة نظر حلفاء واشنطن.

إن الكيفية التي سيتعامل بها أوباما مع هذه القضايا الثلاث المرتبطة ببعضها البعض، عملية السلام الإسرائيلية – الفلسطينية، والمعضلة الإيرانية، والصراع الباكستاني/ الأفغاني، سوف تحدد شكل الدور العالمي للولايات المتحدة في المستقبل القريب؛ فتداعيات فشل عملية السلام في الشرق الأوسط وصراع عسكري مع إيران وتكثيف التدخل العسكري في كل من أفغانستان وباكستان سوف يبقي الولايات المتحدة وحيدة وملتزمة تجاه منطقة مليئة بالكثير من الاضطرابات؛ مما قد يؤدي إلى إنهاء الدور العالمي للولايات المتحدة.

علاقات إستراتيجية مهمة

وإضافة إلى محاولة أوباما التفاعل مع التحديات آنفة الذكر، فإنه قد أشار إلى رغبته في تحسين علاقة الولايات المتحدة بثلاثة من القوى الجيوبولوتيكية في العالم (روسيا والصين وأوروبا)، وكل واحدة من هذه العلاقات تتضمن معضلات طويلة المدى، لكنها في نفس الوقت لا تحتاج إلى نوع من إدارة الأزمة في الوقت الحالي.

إن كل قوة من هذه القوى لها خصوصياتها؛ فروسيا قوة إمبريالية سابقة تسعى إلى النهوض من جديدة، إلا أنها لا تمتلك رأس المال الاجتماعي اللازم لذلك. أما الصين فهي قوة اقتصادية صاعدة تسعى إلى تحديث نفسها بخطوات سريعة ومذهلة ولكنها محسوبة. وبالنسبة لأوروبا فهي قوة اقتصادية، ولكن ليست لها الإرادة السياسية أو العسكرية.

وقد أعلن أوباما أن الولايات المتحدة في حاجة إلى توثيق تعاونها مع هذه القوى، وعبرت إدارته عن الرغبة في إعادة صياغة علاقاتها مع روسيا، لكن هذا الشعار ما يزال مربكا، وليس واضحا بعد ما إذا كان مثل هذا التفكير البناء من جانب واشنطن تجاه موسكو -بصدد الموضوعات المشتركة مثل إيران- مبرر بما فيه الكفاية.. وأيا يكن الأمر، فان على الولايات المتحدة أن تفكر بصورة إستراتيجية بشأن علاقاتها طويلة المدى مع روسيا، وأن تتبع في هذا الأمر سياسة ذات مسارين:ـ

المسار الأول: يشمل ضرورة التعاون مع روسيا طالما كان هذا التعاون سوف يعود بالفائدة للطرفين، ولكن بصورة تكون متوافقة مع الحقائق التاريخية؛ فعصر الإمبراطوريات المتناطحة قد انتهى، وعلى روسيا أن تقبل هذه الحقيقة إذا كانت حريصة على مستقبلها.

المسار الثاني: لا ينبغي أن يكون السعي لتوسيع مجالات التعاون مع روسيا على حساب جورجيا، والتي من خلالها يمر خط باكو – تبليسي – جيهان الذي يضمن وصول إمدادات الطاقة القادمة من وسط آسيا إلى أوروبا، أو حتى على حساب أوكرانيا التي كانت بمثابة القلب الصناعي والزراعي للاتحاد السوفيتي؛ فأي خطوة في هذا الاتجاه من جانب الولايات المتحدة سوف تكون بمثابة دافع لروسيا لإعادة إنتاج سلوكها الإمبريالي، وتزيد من المخاوف والهواجس الأمنية لدى الأوروبيين، فضلا عن زيادة فرص حدوث صراعات مسلحة هناك.

وجدير بالذكر أن إدارة أوباما ما تزال مترددة إلى حد كبير في تزويد جورجيا بأسلحة دفاعية، على عكس روسيا التي زودت فنزويلا بأسلحة هجومية، كما أن الولايات المتحدة لا تلعب دورا نشطا بما يكفي لدفع الاتحاد الأوروبي نحو الاستجابة لطموحات أوكرانيا الأوروبية.

وبالنسبة للصين، فإن الجهود طويلة المدى للتعاون معها لمعالجة المشكلات العالمية هو اقتراب أيضا مطلوب في الوقت الحالي؛ فالصين –على حد زعمها– قوة صاعدة بصورة سلمية، على عكس روسيا، ولكن الباحث يستطيع القول إنها قوة صاعدة أنانية، تهتم في المقام الأول بمصالحها؛ ولذلك من المهم أن يتم دمجها في منظومة أكثر تعاونية حول قضايا عالمية من قبيل الاقتصاد والنظام المالي والبيئة، كما أضحى للصين دور لا يمكن إغفاله في الكثير من القضايا الجيوبولوتيكية التي تؤثر على المصالح الجوهرية للولايات المتحدة مثل إيران وكوريا الشمالية والصراع في كل من باكستان وأفغانستان، وحتى الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

ونظرا لهذه الأهمية المتزايدة للصين، جاء قرار الرئيس أوباما بتدعيم العلاقات الثنائية معها في الوقت المناسب، وجاءت زيارته إلى بكين في نوفمبر 2009 لتدشن مرحلة لقاءات القمة الثنائية التي تتم على المستوى الرئاسي، في إطار ما يعرف بمجموعة الاثنين G2 الجيوبولوتيكية؛ ويعتبر هذا الأمر خطوة هامة لتطوير الحوار الإستراتيجي بين الجانبين، وتعبيرا عن إدراك قادة البلدين أن مصالحهما تقتضي وجود نظام دولي يعمل بفاعلية أكثر.

وتكمن المعضلة الحقيقة في اقتراب أوباما للتعامل مع القوى الكبرى في علاقاته مع أوروبا، والتي تعتبر الشريك الأقرب اقتصاديا وسياسيا وعسكريا لواشنطن، إذ على الرغم من أن أوباما قد أعلن عن رغبته في تحسين هذه العلاقات، إلا أن المؤشرات على تحقيق هذا الأمر في المستقبل القريب قليلة للغاية؛ فالرئيس السابق بوش قد ترك لأوباما تركة ثقيلة في أوروبا؛ ومن ثم فإن تحقيق تعاون إستراتيجي طويل الأمد على المستوى العالمي سيظل صعبا للغاية، في ظل غياب ليس فقط قيادة سياسية موحدة لأوروبا، ولكن أيضا في ظل غياب التوافق الداخلي بين الدول الأوروبية حول دور أوروبا العالمي.

وفي ظل هذه الحقيقة، فإن نية أوباما لإعادة صياغة علاقاته الأطلسية سوف يكون محكوما بالضرورة بالحوار مع ثلاث قوى أوروبية رئيسية لها حضور دولي هي المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا، لكن الاستفادة من مثل هذا الحوار دائما ما تتراجع بسبب الاختلافات الشخصية والسياسية بين قادة هذه الدول. ودون التطرق إلى المستقبل الغامض لرئيس الوزراء البريطاني، فان الرئيس الفرنسي ما يزال مشغولا بتحقيق شهرة شخصية، والمستشارة الألمانية تفضل الاتجاه إلى شرق القارة الأوروبية؛ ومن ثم فإن ظهور أوروبا موحدة –ومن ثم مؤثرة على المستوى الدولي- والتي يرغب أوباما في التعاون معها ليس أمرا قريب المنال.

المعوقات الداخلية

ماذا يمكن قوله بخصوص السياسة الخارجية الأمريكية للرئيس أوباما؟.. إنه خلق توقعات أكبر من الإنجازات الإستراتيجية التي تحققت.. ولكن لماذا؟..

لقد أخر تنفيذ الكثير من سياسات أوباما تجاه التحديات الثلاثة الكبرى التي تواجهها الولايات المتحدة أن أمريكا دولة ديمقراطية يجب أن تكون قرارات سياساتها الخارجية قائمة على توافق داخلي. ولسوء حظ أوباما، فإن تأمين مثل هذا التوافق أكثر صعوبة بسبب ثلاث نقاط ضعف تنظيمية، تعيق بدورها صياغة وتنفيذ سياسة خارجية ذكية وحاسمة في سياق هذا النظام الدولي المعقد الذي نعيش فيه.

أول هذه النقاط أن جماعات الضغط في مجال السياسة الخارجية أصبحت أكثر تأثيرا في الساحة السياسية الأمريكية بسبب قدرتها على التأثير في أعضاء الكونجرس، وتمتلك بعض هذه الجماعات الموارد المالية الكافية، والبعض الآخر تدعمه مصالح خارجية لا داخلية فقط… هذه الأمور جعلتهم –وبصورة غير مسبوقة– قادرين على التدخل بصورة كبيرة في صناعة قرارات السياسة الخارجية.

وأكثر من أي وقت مضى، فالكونجرس الآن لا يرفض فقط قرارات السياسة الخارجية، ولكنه ينشط بقوة في معارضة الرئيس نفسه، وهذا التدخل من جانب الكونجرس –والمدعوم من جماعات الضغط– يعتبر معوقا خطيرا لصناعة سياسة خارجية قادرة على الاستجابة بفاعلية للحقائق المتغيرة للسياسة العالمية، ويجعل من الصعوبة بمكان إبقاء الأولوية الأولى للمصالح الأمريكية دون غيرها.

النقطة الثانية: والتي وثقتها دراسة أعدتها مؤسسة راند في عام 2009، ترتبط بتعمق الانقسامات الأيديولوجية التي لا تجعل من إمكانية الوصول إلى توافق حزبي حول السياسة الخارجية أمرا صعبا للغاية فقط، بل إنها تخلق استقطابا حادا ربما يؤدي إلى انتشار الديماجوجية في حسم الصراعات السياسية.

وأخيرا، فالولايات المتحدة، كمثلها من الدول الديمقراطية، لديها رأي عام ليس له دراية كبيرة بالشئون العالمية؛ فالكثير من الأمريكيين –وكما أظهرت العديد من المسوح القومية– ليس لديهم معرفة بأساسيات الجغرافيا العالمية، كما أن معرفتهم بثقافة وتاريخ الدول الأخرى ليس بأفضل حال.. فكيف لرأي عام بهذه الصورة أن يكون قادرا على استيعاب المعضلات الجيوبولوتيكية التي تواجه الولايات المتحدة في أفغانستان وباكستان. ويزيد من التأثيرات السلبية لمثل هذه النقطة أن هناك انخفاضا في توزيع الصحف، كما أضحت البرامج التي تبثها الشبكات الإخبارية تتميز بالسطحية.

إن هذه النقاط الثلاث تزيد من تعقيد الجهود اللازمة للحصول على دعم الرأي العام لسياسة خارجية عقلانية تكون قادرة على التعامل مع المعضلات العالمية التي تواجه الولايات المتحدة في الساحة الدولية.

ويسعى أوباما بالفطرة إلى تحقيق التوافق، فهذه هي خبرته السياسية التي يمتلكها، والتي كانت سببا أساسيا في نجاحه الانتخابي؛ فنزعة التوافق مدعومة بالإلهام الشخصي والقدرة على التعبير عن آمال العامة، إذ أظهر أوباما نفسه خلال حملته للرئاسة باعتباره الشخص الذي يدير عملية التوافق الاجتماعي والتعبئة السياسية، ولكنه لم يستطع إحداث النقلة من الخطيب المفوه إلى رجل الدولة القوي.

في ظل الحقائق الصعبة والمعقدة للشئون العالمية، تتطلب القيادة حزما وصرامة لتجاوز أي معارضة خارجية، وقدرة على كسب دعم الأصدقاء والحلفاء، وقدرة على التفاوض بجدية مع الدول المعادية متى تطلب الأمر ذلك.. ومن أجل تحقيق هذه الغايات، فإن اللحظة المثالية لربط الطموحات الوطنية بقيادة حاسمة تحدث عندما تصبح السلطة الشخصية للرئيس هي الأعلى.

وبالنسبة للرئيس أوباما، فهو انشغل في عامه الأول بالأزمة الاقتصادية وبالصراع حول قانون الرعاية الصحية، ويمكن أن تكون السنوات الثلاث المقبلة أكثر صعوبة… ولكن من أجل مصالح الولايات المتحدة القومية ومن أجل البشرية ككل، فإنه من المهم بالنسبة للرئيس أن يتمسك بجرأته في تحقيق الآمال والطموحات التي أطلقها!!.

————————————————

كاتب ومفكر أمريكي بارز، عمل كمستشار للأمن القومي الأمريكي في الفترة من 1977-1981. ومن أحدث كتبه (الفرصة الثانية.. ثلاثة رؤساء وأزمة القوة العظمى الأمريكية).

*مقال نشر بدورية “شئون خارجية”، تحت عنوان “من الأمل إلى الجرأة.. تقييم سياسة أوباما الخارجية”، عدد يناير/ فبراير 2010.

http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1260258290333&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s