شيك على بياض: ليس لدي لكم حقوق (5 – 6)


إذن من بين الأطروحات الثلاثة التي قدمها مفكري العقد الاجتماعي توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو، اختار المصريون – بصورة ضمنية – أطروحة هوبز، التي تقوم على أن الأفراد وهم في سبيلهم للخروج من حالة الطبيعية الأولي – التي سادت فيها حالة حرب الكل ضد الكل – تنازلوا عن كل حقوقهم وحرياتهم لصالح حاكم فرد أو مجموعة صغيرة، حتى تتمكن من إخراجهم من هذه الفوضى، فتكون النتيجة عقد بين الأفراد وبعضهم البعض، الحاكم ليس طرف فيه على الإطلاق، ولكنه ينتفع بما جاء فيه من أحكام، يتفق فيه الأفراد على الطاعة العمياء للحاكم وعدم الخروج عليه طالما يحافظ على أمنهم.
إن هذه الصورة تكشف لنا عدد من الأمور الخطيرة، أولها أن الشعب فرَط من جديد في حقه في اختيار حاكمه، ومن ثم الرقابة على تصرفاته وتصرفات مسئوليه ووزرائه تمهيدا لمحاسباتهم إذا أساءوا استغلال سلطتهم، ثانيا أن هذا التنازل الكلي والشامل عن الحقوق لا يعطي لهم حق منازعة الحاكم أو حتى الاختلاف معه، طالما يحقق لهم الأمن، فتكشف الحوارات العابرة مع المصريين خصوصا من عاصروا فترة هزيمة يوليو وحرب أكتوبر وما تلاهما، عن أن احد أسباب رضائهم بالنظام القائم على الرغم من مساوئه الكثيرة هو انه جنَب مصر الدخول في صراعات وحروب خارجية وأمًن لها نوع من الاستقرار – وهو رأي مردود عليه من أوجه عدة لان ثمن هذا الاستقرار كانت انتشار الفساد والاستبداد وتدهور مستويات لمعيشة..الخ – ومن ثم لا بأس من بقائه، ثالثا أن هذا التنازل يشير بصورة ضمنية إلى عدم قدرة الأفراد على تنظيم أنفسهم من اجل الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم وحرياتهم، ومن ثم يتنازلوا عن كل حقوقهم لحاكم فرد منقِذ ملهَم خارق الذكاء، باعتباره الوحيد القادر على قيادة دفة المجتمع وتوجيه بوصلة أفراده الأغبياء القُصَر، الذين لا يعون الصالح العام ولا حتى صالحهم الشخصي، فنجد مؤخرا يخرج علينا احد نواب الحزب الحاكم أثناء نظر المجلس استمرار تفويض الرئيس في عمليات شراء الأسلحة، يطالب بأن نسلم رقابنا للرئيس مبارك، لأنه حتى ولو كان ديكتاتور فهو ديكتاتور عادل، ونجد أخر يطالب بقتل المتظاهرين بالرصاص لأنهم قلة مندسة عميلة لقوى الخارج تريد أن تطيح باستقرار البلد وأمنها.
فحوى هذا الأمر يتكرر كثيراً في خطابات النظام، فأحزاب المعارضة هشة هزيلة، لم ولن تستطيع إفراز من هم قادرين على الاضطلاع بهذه المهمة العظيمة، ومن يتجرأ ويفكر انه يمكن أن يحل محل السلطة القائمة فهو إما عميل لقوى الشر المتربصة بمصر، هذه القوى التي يتعاون معها النظام الحاكم سرا وعلانية وهم لنا أصدقاء مقربون وحلفاء إستراتيجيون، وان لم تثبت عليهم التهمة فهناك تهم أخرى جاهزة أبرزها وأكثرها فاعلية أنهم ليسوا على دراية بشئون مجتمعهم، فهم مجرد أبطال وهمية في الفضاء الالكتروني غير قادرين على الالتحام مع الواقع، بعكس قيادات الحزب الملتحمة مع شعبها، العالمة بكل صغيرة وكبيرة عنه، فهذا الشعب يتمتع بمستوى رفاهية عالي لان أكوام الزبالة ملئت الشوارع، وهو شعب توافرت له كل سبل الراحة لان عدد السيارات الخاصة زادت، كأن بسطاء – ولن أقول فقراء – هذا البلد هم من يشترون السيارات الخاصة.
وبمناسبة ذكر السيارات الخاصة باعتبارها مؤشرا صحيحاً على الرفاهية والثروة، في مدنية بنها هناك نوع من السيارات – يسميه أهل البلد السوزوكي – يستخدم في التنقلات الداخلية فهو بمثابة التاكسي في القاهرة، تعتبر هذه السيارة مصدر رزق لمن لم يجدوا نصيبا لهم من رفاهية هذا البلد التي زادت عن الحد، حيث اتجه كثير من الشباب والباحثين عن أمل جديد في حياة آدمية إلى شراء هذه السيارة السوزوكي للعمل عليها كوسيلة مواصلات عامة، وعندما يذهب هؤلاء لاستخراج تراخيص هذه السيارة باعتبارها سيارة أجرة ترفض إدارة المرور تسجيلها بهذه الصفة، لان هناك قرار بعدم منح تراخيص جديدة بهذه الصفة لهذه السيارات، فيضطر أصحابها إلى تسجيلها بصفة سيارة خاصة ملاكي، ويمنع عليهم بالطبع السير في شوارع المدينة لاستخدامها في نقل الركاب، ولكنهم ينتظروا في أماكن معينة انتظارا لزبون خصوصي يأخذه إلى مكان ما داخل المدنية أو حولها، نعم نحن مرفهين لان سياراتنا الخاصة زادت، ولكن الم ينتبه هذا المسئول إلى أن هناك من يغير سيارته كل عام وان هناك من يمتلك أكثر من سيارة واحدة وطبعا هؤلاء من عامة الناس، وان هناك سيارات خاصة اسما أجرة فعلاً وعملاً.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s