محمول وعسل اسود على سلالم النقابة..؟؟!!

أفكار كثيرا اختلجت بها نفسي المضطربة التي ما تزال تبحث عن قضيتها في هذه الحياة، عندما علمت بإعلان الحملة العالمية لكسر الحصار على غزة 5 يونيو يوما عالميا للاحتجاج على الحصار وضرب أسطول الحرية، وتضامنا مع من يدافعون عن قضايانا بينما باتت أنظمتنا العربية وجل الشعوب العربية في ثبات عميق، بعد أن تعودت على القهر والإذلال، وبعد أن ترسخ اقتناع بأنه لا حيلة للعباد فيما فعله الشيطان، وكل ما نقدر عليه في حالتنا هذه هو انتظار المشيئة الإلهية، تنزل علينا لتنقذنا مما نحن فيه ولتعيد إلينا حقوقنا المسلوبة.
بمجرد رؤية هذا التنبيه أخذتني الحماسة للمشاركة والتعبير عن الغضب والتنفيس عما اشعر به من مرارة وحزن، لرؤية تسعة عشر من شرفاء العالم يقتلون بيد الغدر الصهيوني، لا لشيء إلا لأنهم رفضوا أن يتم تجويع شعب وقتله برعاية أمريكية وأوروبية وبخضوع مجموعة من مرتزقة الحكم، لم يبق لهم هًم في الدنيا سوى إرضاء العم السام والخضوع لقادة الصهيونية، أيضا لأني شعرت بجبال من الخجل والخذي حطت على صدري، لأننا نحن الشعوب العربية والإسلامية، وقبلنا أنظمتنا الفاسدة المستبدة قد بعنا القضية مقابل حفنة من الدولارات، وضمان البقاء على راس الحكم دون أي وجه أو شرعية أو قبول في الشارع، في الوقت الذي جاء من أنحاء العالم شرفاء رفضوا هذا الحصار الظالم الذي فرض على شعب غزة ليس لشيء إلا لأنه انحاز لخيار المقاومة ورفض الخضوع لتسويات ظالمة مجحفة يتم الترتيب لها في الخفاء والعلن.
وقلت لنفسي نعم حصار غزة – ومن قبله اغتصاب فلسطين – هو قضية إنسانية، ولكن قبل أن يكون قضية للإنسانية جمعاء، هو قضية الشعوب العربية والإسلامية.
عقدت العزم على الذهاب والمشاركة، وما إن حسمت أمري بالمشاركة حتى بدأت الكثير من الأسئلة تطرح نفسها بقوة على عقلي وقلبي، تحاول زحزحتي رويدا رويدا بعيدا عن المشاركة وتقريبي كثيرا من المكوث في البيت للراحة والدعة بعد أسبوع شاق وطويل كنت اعكف فيه على إتمام خطة رسالة الماجستير.
ما جدوى الذهاب وتكبد ما يقرب من ساعتين للذهاب إلى نقابة الصحفيين والوقوف على سلالمها؟ ما الفائدة التي يمكن أن تعود على القضية وتخدمها من الوقوف بعض الوقت، لتهتف بشعارات لم يعد لها مكان في واقعنا المأزوم؟ هل بالشعارات وبالهتافات سوف نكسر الحصار ونحرر القدس ونعيد الجولان ونسترد مزارع شبعا؟ ماذا سوف يكون مصيرنا مع رجال الشرطة الذين من المتوقع أن يطوقوا المكان وقد ترفع هرواتهم أو حتى ينطلق رصاصهم – كما طالب عضو مجلس الشعب الموقر – صوب كل من تسول له نفسه أن يسير عكس تيار الخضوع والذل العربي والمصري للأماني – وليس فقط الرغبات – الأمريكية والصهيونية؟ وارد جدا أن يتم اقتياد البعض إلى غياهب المعتقلات والسجون بتهمة تهديد الأمن العام وضرب الوحدة الوطنية والإخلال بالسلام الاجتماعي للدولة، كيف سيستقبل الأهل مثل هذا الأمر إن حدث؟ هؤلاء الذين ينتظرون أن تكون سندا لهم بعد أن بذلوا قصارى جهدهم لتكون رجلا يستطيع الاعتماد على نفسه، وعونا لهم ضد نازلات الدهر؟ فهل تكون أنت سبب تعرضهم للإهانة عندما يذهبوا للسؤال عن مصيرك والاطمئنان على سلامتك؟
أسئلة لا حصر بدأت تضرب بقوة حائط الحماس والطاقة الذي بنيته لنفسي، كلها تسوقني إلى أنه لا فائدة، فلتجلس مستريحا في البيت منتظر العناية الإلهية لتكسر الحصار وتحرر القدس وترد الصهاينة على أعقابهم. كما أن خططي لقضاء هذا اليوم لن يتحقق منه شيء، إذا ذهبت إلى هذه الوقفة، فقد كنت قد نويت أن اذهب في هذا اليوم لاستبدال هاتفي المحمول بأخر جديد وأحدث بعض الشيء، والذهاب لمتابعة فيلم ممثلي المفضل احمد حلمي الجديد “عسل اسود”.
طبعا مقارنة من هذا القبيل لا يمكن – بأي حال من الأحوال – أن تكون أو توجد من الأساس، ولكني على يقين كبير أن الكثير منا أن لم يكن جميعا نعقدها دوماً، صراع بين أن تدافع عن حقك وكرامتك وإنسانيتك وتاريخك وهويتك، وبين أن تكون مجرد كائن استهلاكي أقصى ما يطمح إليه شراء تليفون جديد ومشاهدة فيلم سينمائي، كل همه في هذه الحياة فقط أن يشبع نهمه من أي منتج جديد سواء هو في حاجة إليه أو لا ؟ ولكنه الفخ الذي نصب لنا ونحن بكل سذاجة وقعنا جميعا – إلا من رحم ربي – فيه.
هذا الصراع الذهني أحالني إلى الفكرة التي انطلقت منها لتسجيل رسالة الماجستير خاصتي، عملية كبرى مخططة بإحكام وكل خطواتها معروفة لنا، ولكننا غير مدركين – عن قصد أو دون قصد – بغاياتها النهائية، ونشارك من خططوا لها في التنفيذ، فكرة عبر عنها المفكر العبقري الدكتور عبد الوهاب المسيري – رحمة الله عليه – في كتابه “دفاع عن الإنسان: دراسة نظرية وتطبيقية في النماذج المركبة”، “إشباع الحاجات الاقتصادية للعرب وإغراق هويتهم، الأمر الذي يؤدي إلى استغراقهم في أمور الدنيا والمال بدلا من قضايا الوطن والأرض والهوية “. أي إعادة تشكيل النموذج الإدراكي الكامن ليكون النموذج الاقتصادي الاستهلاكي للإنسان المقبل بنهم على الحياة الدنيا، والذي تشكل الدوافع الاقتصادية سقف عالمه، فلا يكون هناك مجال للحديث عن الحقوق والتاريخ والهوية.
في هذا النوع من المجتمع يكون الهدف – كما يقول الاقتصادي الكبير الدكتور جلال أمين – من الحياة بالنسبة للأفراد هو الاستمتاع بالسلع والخدمات المختلفة، ويصبح معيار الفشل أو النجاح في الحياة هو مدى القدرة على الحصول على اكبر قدر من هذه السلع والخدمات، فكلما تمكنت من اقتناء قدر اكبر منها، أصبحت أكثر نجاحا، والعكس صحيح.
مجتمع بتنا نرى تجلياته في كل مكان حولنا وفي كل ركن من أركان بلادنا العربية الفقيرة وفي مصرنا المحروسة، فنجد مسئول القوة والمتانة في الحزب الوطني يخرج علينا بنظرية جديدة في الرفاهية الاقتصادية والتنمية، فحواها “انه طالما امتلأت الشوارع بالقمامة وبات المحمول في يد الجميع بعد أن أقرت الدولة سياسة ثلاثة أجهزة محمول لكل مواطن فانك تعيش أزهى عصور الرفاهية والتنمية، وأن الشكاوى من بعض القلة المندسة في المجتمع هى مجرد صرخة من أعداء النجاح، تريد فقط أن تعطل تنفيذ خطة الدولة الإستراتيجية بمليء شوارع المحروسة بالقمامة.
تجليات نجدها في أصوات المنادين بانكفاء مصر على ذاتها لأنه كفاها ما تكبدته بوصفها الشقيقة الكبرى، علينا أن نهتم فقط بأنفسنا، فنبني اقتصادنا بتوجيه كل الموارد المتاحة لتمويل عمليات الفساد، وتسويات البنوك مع نواب نهبوا هذا الشعب وعادوا ليجدوا الحكومة تستقبلهم استقبال الفاتحين الأبطال، وتفتح لهم دوائر انتخابية ليدخلوا سلطتها التشريعية من خلالها، نوفر مواردنا لندفع رواتب الوزراء ورؤساء الشركات من الوزراء السابقين، الذين يديرون بلادنا كما لم يدرها احد من قبل، لنهبط أكثر على دركات التخلف والقهر والاستبداد.
لماذا تشغلون بالكم بما يحدث في غزة وما يحدث في العراق وما يجري في الجنوب اللبناني والجنوب السوداني ودارفور؟ كفاكم عبثا، فلتنظروا لأنفسكم، انظروا إلى مصلحتكم واجعلوها في المقام الأول وقبل أي شيء أخر، ونحن سوف نساعدكم، هذه معوناتنا وهذه مساعدتنا الفنية لتبنوا أنفسكم ولتشتروا بها كل ما تريدون من متع الدنيا مما ننتجه نحن، وانسوا أمر الوطن والكرامة والحقوق والتاريخ والهوية والمقاومة، فكلها أمور أضحت من التاريخ الذي يجب أن يلقى بها بعيدا عن مسامع الصغار، الذين ما يزالوا على براءتهم وعقلهم الذي ما يزال مجرد صفحة بيضاء، فلا تلوثوها بهذه المفاهيم المفخخة التي سوف تنهي حياتهم في اقرب وقت ممكن، إذن فتصلحوا أنظمة تعليمكم المتخلفة التي تدفع بهؤلاء إلى الهلاك والى القبور، اتركوا هذه الزهور البريئة تعيش حياتها، وتجني ثمار التقدم الكبير الذي أحرزته حضارتنا الغربية في شتى مجالات الحياة.
هذا لسان حال ليس فقط صناع الولايات المتحدة ورئيسها الجديد– الذي كان أول شيء فعله لبدايته الجديدة مع العالم الإسلامي هو مؤتمر رواد الاعمال لدمج المسلمين اقتصاديا في الاقتصاد العالمي – ومن خلفها حلفائها الأوروبيين، وإنما الكثير من النخب الحاكمة والشعوب العربية على امتداد العالم العربي.
بعد هذا الصراع حسمت أمري وذهبت إلى سلالم النقابة ووقف وهتفت وكانت تجربة ثرية لي استفدت منه الكثير وخلصت منها إلى دلالات أكثر، ستكون جوهر الموضوع القادم على صفحات هذه المدونة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s