على سلالم النقابة بماذا يهتفون…؟

إذن حسمت أمري وقررت الذهاب والوقوف والتعبير عن التضامن، وفكرت في دعوة صديقي الذي كنت قد رتبت معه مسبقا أن نذهب معا لمشاهدة الفيلم وشراء الموبايل الجديد، واتصلت به اعرض عليه الفكرة، ولأنه معتقد اعتقادا جازما بأن يد الأمن توغلت وامتدت، لدرجة أنها أضحت تعلم نوايا الناس وخباياهم، ولأنه يحلم بدخول وزارة الخارجية كملحق دبلوماسي، فانه خاف من أن تكون المشاركة في مثل هذا الأمر قد يضره عندما يستعلموا عنه امنياً، ومع أني أكدت له أن الأمر ليس بهذه الخطورة، طالما لا يرتبط بأمن وسلامة النظام الحاكم، فهى وقفة للتضامن مع أهلنا في غزة ورفض الحصار الظالم عليهم، ولن نتطرق إلى مسائل الحكم والفساد في مصر، فشلت محاولاتي في إثنائه عن الرفض، بل أني عندما قابلته بعد انتهاء الوقفة أعطيته مجرد مقالة بسيطة وزعت علينا عن قرار فتح المعبر، توضح انه مجرد فرقعة إعلامية بشهادة من ذهبوا إلى هناك فلم يجرؤ حتى على فتحها ومعرفة ما فيها، بل انتزعها من يدي وألقاها مسرعا خارج السيارة.

اتفقت معه على تأخير موعدنا حتى تنتهي الوقفة، وصلت إلى القاهرة وأخذت المترو حتى محطة جمال عبد الناصر حيث نقابة الصحفيين والمحاميين، مكان طالما تواجدت فيه سيارات الأمن المركزي لإجهاض أي تحرك أو وقفة أو مظاهرة قد تنظم من قبل أيا من هاتين النقابتين، الأمور هادئة عساكر الأمن المركزي تملئ المكان كما هو متوقع، رتب كبيرة من رجال الشرطة جالسين على الرصيف المقابل للنقابة، موعد الوقفة لم يحن بعد، المشاركون بدأوا في التجمع على السلالم، رجال ونساء من جميع الأعمار، ولكن أهم ما لفت نظري فيمن توافدوا من اجل المشاركة، أمهات اصطحبوا بناتهم – يبدوا من وجهوهم أن أعمارهم تتراوح بين العاشرة والخمسة عشر ربيعا، لماذا أقدمت هؤلاء الأمهات على مثل هذا الأمر؟ فهم على علم بأنه قد يحدث ما لا يحمد عقباه، إذا تدخل الأمن بغباء للتعامل مع المشاركين، فنجد صورا جديدة لخالد سعيد.

لابد من أن هناك منطق قوي دفع هؤلاء الأمهات لاصطحاب صغارهم، نعم ليس هناك غيره منطق الدفاع عن الحق والتمسك بالهوية والتاريخ وضمان ألا تمحى ذاكرة هذه الزهور البكر، بما نراه منذ أحداث سبتمبر من تحركات علنية أو خلف الستار تطالب بتغيير نظمنا التعليمية، لأنها – كما يرى هؤلاء – تحث على العنف وكراهية الأخر، هل فعلا لو قمنا بهذا الأمر سوف تكون هناك ثقافة للسلام، هذا المفهوم المفخخ – بتعبير أستاذنا الدكتور سيف الدين عبد الفتاح – الذي يحاولون – بأيديهم تارة وبأيدينا تارة أخرى – استزراعه في عقولنا وعقول الصغار من اجل تبرير الخضوع والذل ونسيان التاريخ والحقوق والهوية، لأنها من وجهة نظرهم أضحت عقبة كئود أمام تحقيق سلامهم وليس سلامنا، هل يمكن أن نمحو مشاهد العنف المفرط والقتل الغير مبرر والوحشية في التعامل معنا، نحن أصحاب الحقوق؟ هل يمكن أن ينسى هؤلاء الصغار مشهد أطفال إسرائيليين وهم يكتبوا على صواريخ الجيش الإسرائيلي رسائل إلى أطفال ونساء وشيوخ ورجال لبنان وغزة وغيرهم مما استباحت إسرائيل دمائهم وأوطانهم؟ هل يمكن أن ينسى هؤلاء مشهد قتل صديقهم محمد الدرة بين يدي والده؟ كيف سيمحو هؤلاء صورة الرضيعة إيمان حجو والرصاصة مستقرة في بطنها؟ كيف سينسى الصغار كل هذه الذكريات الأليمة وكل هذا القتل وكل هذه الوحشية؟ بينما أنا اسأل نفسي هذه الأسئلة، خطر على ذهني لقائي بالطفلة أمينة ذات الأربع أو الثلاث سنوات، ابنة احد الصحفيين الذين أكن لهم احتراما كبيرا، لم يسعدني الحظ أن أقابله من قبل، ولكن شاء القدر أن نلتقي في بيت صديق مشترك.

لقاء ما أزال أتذكر غالبية تفاصيله ليس فقط لسعادتي بالتعرف على صحفى كبير ورصين مثله، ولكن لما سمعته من كلمات خرجت من بين شفتي فلذة كبده الصغيرة الجميلة أمينة، تلك الكلمات التي ما تزال عالقة في ذهني، حينما أتى بها والدها إلينا نتعرف عليها فسألها والدها ما هي البلد التي لا يمكن أن نقوم بزيارتها؟ ولأنها ما تزال صغيرة لم تستوعب السؤال بهذه الطريقة، عاود والدها الكَرَة مرة أخرى وقال لها إحنا ممكن نزور تركيا؟ فترد نعم، ممكن نزور سويسرا؟ فترد نعم، وهكذا حتى سألها إحنا ممكن نزور إسرائيل؟ فردت بحزم وبحماسة رجال المقاومة البواسل – في فلسطين ولبنان – لا، لماذا؟ والدها متسائلا فترد لأنها بلد وحشة، فأصابتني دهشة من صلابة رد هذه الطفلة البريئة الذي جاوز بمراحل كبيرة مواقف وردود الكثير من المتخاذلين من الحكام والمسئولين العرب، الذين يتباهون بزيارة الكيان الصهيوني سرا وعلانية، وبحجج شتى.

والدها أكد لنا انه لَم يلقنها مثل هذا الرد، ولِمَ يلقنها؟ فقد تركت هذه الزهرة اليانعة العنان للفطرة السوية للإنسان، تلك الفطرة التي ترفض كل أشكال العنف والوحشية والظلم، لتعلن عن رفضها القاطع زيارة هذا الكيان المغتصب، وترفض أن تستبدل ثقافتها ولغتها بأخرى تتعلمها في مدرستها الأجنبية، فرفضت أن تنطق بكلمة فرنسية بدأت في تعلمها، لا لشيء إلا لأن لسانها عربي وهى في حضرة مصريين يتحدثون العربية، وليس معنى أنها تتعلم لغة أخرى أن تستوعبها هذه اللغة فتخلعها من جذورها وتراثها وثقافتها التي تتعلم أبجدياتها الأولى، ولم تفعل مثل كثيرين منا اليوم لمجرد أنهم أتقنوا لغة أخرى أو تعلموا بعض مفرداتها، فما إن ينطقوا بكلمة عربية حتى يتبعوها بسيل من الكلمات الأجنبية، أو لأنهم عجزوا عن كتابة لغتهم بحروفها الأصلية فشرعوا يكتبون كلماتها بحروف لاتينية. وأردت اختبار هذا السلوك الرائع من هذه الصغيرة، فحاولت أن ابدأ معها حوار باللغة الفرنسية فما إن شرعت أنا في هذا الأمر حتى اندفعت نحوي كأنها تريد معاقبتي على فعلتي الشنعاء من وجهة نظرها وهي محقة كل الحق.

لأن هؤلاء الأمهات الأذكياء أرادوا أن يحمل هذا الجيل الصغير قضاياه وهمومه، فلا يتركها لتكون مجرد أطلال من الماضي ويصبح كل من يبكي عليها إرهابيا ومتطرفا ولا يقبل الأخر ويجب أن يدفع به إلى غياهب معتقلات وسجون مثل جوانتانامو أو سجون سرية في أوروبا، فقد جلبوا فلذات أكبادهم الصغار، ليتعلموا النضال والدفاع عن حقهم الضائع مهما كانت العقبات والمخاطر، لأنه لن يكون هناك معنى لوجودنا ونحن عبيد لكيانات مغتَصَبة نخضع لإرادتها، فهؤلاء لن يكفيهم أن نتخلى عن تاريخا وهويتنا فقط، بل أن تمحى هويتنا وتاريخنا تماما من الوجود فنكون مجرد مسوخ لا شكل لها ولا كيان ولا هيئة، بلا ثقافة – اللهم إلا ثقافة الخضوع والخنوع – بلا هوية بلا تاريخ.

أتى من قرر المجيء والمشاركة وخرجت الأعلام الفلسطينية وجاء العلم التركي متأخرا بعض الشيء ولم يظهر العلم المصري رغم توافره لدي من جلب الأعلام، وخرجت لافتات التأييد ورفض الحصار، وبدأت تعلوا الأصوات بالهتاف والصراخ من اجل شرفاء أسطول الحرية ومن اجل أطفال غزة ونساءها ورجالها.

كنت اعتقد أن تنحصر الهتافات في المطالبة برفع الحصار ومحاسبة العربدة الإسرائيلية والإشادة بالموقف التركي، والمطالبة بفتح معبر رفح وإدخال المساعدات للشعب المحاصر في غزة، ولكن لم يكن الأمر كذلك بل امتدت الهتافات لتنتقد بشدة النظام المصري وسياساته تجاه القضية الفلسطينية عامة، والسياسات الداخلية للنظام على كل المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، هتافات تطالب بالحرية والديمقراطية وسقوط النظام الفاسد والثورة عليه، هتافات تنادي بمحاسبة الفساد والمفسدين.

قد يبدو للوهلة الأولى عدم وجود رابطة بين الأمرين، وقفة للتضامن مع غزة ورفض الحصار مالها ومال المطالبة بالديمقراطية والحريات، ولكنه ذكاء هذا الشباب وفطنته التي بها أدرك هذه الرابطة التي يغفلها أو يتجاهلها الكثيرين، فجاءت هذه الهتافات لتعبر بصورة ضمنية عن مجموعة من علامات الاستفهام الملحة على عقولنا نحن المصريين، هل كان النظام المصري سيتبع مثل هذه السياسات تجاه الأشقاء؟ هل كان سيذهب إلى هذا المدى الكبير من تجاهل الإرادة الشعبية؟ لو انه يعرف أن الشعب قادر على محاسبته في الانتخابات القادمة؟ هل كان سيقدم على هذا الخضوع المهين للإرادتين الأمريكية والصهيونية؟ إذا كان هناك نظام ديمقراطي حقيقي يمكّن الشعب من محاسبة المسئولين وصانعي القرار إذا خالفوا إرادة الناخبين.

إن تاريخ نضال الشعب المصري وحركاته الانتفاضية كانت دائما قائمة – كما يقول رحمه الله الدكتور محمد السيد سعيد – على التلازم والإسناد بين القضية الوطنية والنضال من اجل الديمقراطية، وتُرجِم هذا التلازم في مناسبات شتى، منها التأييد – من جانب الطبقة الوسطى الريفية – الذي حظي به المشروع النهضوي الذي طرحه المفكرون الإصلاحيون في ستينيات القرن التاسع عشر، وترجم هذا الدعم في التصويت للعناصر التقدمية في انتخابات مجلس شورى النواب – أول مجلس تشريعي في مصر الحديثة – عام 1866، ثم الدعم الشعبي الواسع الذي حظيت به الثورة العرابية، ثم جاءت ثورة 1919 لتضع الشعب كأحد أطراف المعادلة السياسية في النظام الليبرالي الذي أسس له دستور 1923، كما ثارت غالبية الشعب في مارس 1954 مطالبة بإقامة نظام ديمقراطي مدني وعودة الجيش إلى ثكناته ليقوم بمهمة حماية الوطن ويترك شئون الحكم لأهل الحكم والسياسة.

من الصعب إذن – انطلاقا من الخبرة المصرية –  فصل أيا منهما – الديمقراطية والقضايا الوطنية – عن الأخر، فكلاهما مكمل للأخر ومعضد له، فالديمقراطية توفر القاعدة الشعبية التي يستند إليها النظام، فينطلق في الفضاء الخارجي لتحقيق مصالحه القومية والوطنية، فلا يخشى من أن يستغل الخارج ضعف وتهلل النسيج الاجتماعي للدولة، لأنه في – التحليل الأخير – نظام جاء بناء على القبول الشعبي الذي تم التعبير عنه في انتخابات حرة ونزيهة. ونجاح النظام في تحقيق هذه المصالح القومية يزيد من شعبيته وقاعدة قبوله لدى طوائف الشعب. إذن جاءت هتافات من كانوا على سلم النقابة من اجل غزة لتعلنها صريحة أن “الديمقراطية هى الحل”، وبهذه المعاني أعلن المحتجون رفضهم للحصار ورفض استمرار النظام.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s