مشاكلهم ومشاكلنا: مصر المنقسمة الحائرة

إني ذاهب إلى مارينا لأقضي عطلتي السنوية في فيلاتي بجوار البحر، هروبا من نيران العاصمة. أما أنا فذاهب إلى رصيف مجلس الشعب حيث اقضي ما تبقي لي من أيام العمر بعد أن أُحلت إلى المعاش المبكر بعدما باعت حكومتي المصونة الرشيدة مصنعي مصدر رزقي وتركتني فريسة لرأسمالية متوحشة وسياسات ليبرالية لا تراعي أي ظروف اجتماعية.

حوار تخيلته وأنا ماكث في عملي منذ ما يقرب من سنوات ثلاث بجوار تلك السيدة التي تنتمي إلى قمة الهرم الاجتماعي في مصر، حوار بيني أنا ومن هم مثلي من جموع المصريين ممن ينتمون إلى قاعدة الهرم الاجتماعي أو وسطه الذي أضحى في القاعدة ايضا وبينها، حوار كتبت تفاصيله من واقع معايشتي اليومية لها ولمكالماتها التليفونية التي أوحت لي بمقارنة بسيطة في صياغتها، معبرة في دلالاتها لمستقبل حبة القلب مصر، مقارنه بين اهتمامات وهواجس من هم على القمة، والأشياء التي تقض مضاجعهم وتطير النوم من عيونهم؟ في مقابل اهتمامات وشواغل من هم في القاعدة، والنوازل التي تنزل بهم فتطرحهم أرضا وتتركهم مشردين بلا مأوى.

رغماً عني طوال ثلاث سنوات كونت صورة عامة عن اهتمامات أهل القمة من حواراتها التليفونية اليومية الممتدة طوال ساعات العمل، في مقابل خريطة احتفظ بها في عقلي لمشاكلنا واهتماماتنا نحن بسطاء هذا البلد.

كان قدوم الصيف وقبله بقليل الاحتجاجات التي شهدها رصيف مجلس الشعب لأسابيع طويلة، فرصة لاستحضار هذه المقارنة التي زادت من صدمتي وقناعتي بخطورة الانقسام والاستقطاب الذي يعيشه المجتمع، وتزيد معه احتمالات الانفجار الاجتماعي.

من هذه المكالمات التي تتم من هاتف العمل – المخصص لانجاز مهام العمل – استخلصت عدد من الأمور تحدد نظرة هؤلاء لأنفسهم وللمجتمع الذي يعيشون فيه، فهم  لا يفرقون بين ما هو عام وما هو خاص، فكل شيء متاح حولها – سواء بحكم منصبها الحكومي أو بحكم شبكة علاقاتها الواسعة، التي كونتها بسبب المكانة الاجتماعية الكبيرة للوالد – يمكن أن يسخر لخدمة المصالح الشخصية والعائلية، أمثلة كثيرة عايشتها استمعت اليها رغما عني، لأن تليفون العمل أضحى وسيلتها لإنهاء وتسيير كل أمورها الشخصية وهى أمور ليس من بينها مهام العمل إلا نادرا، بحكم عدم إسناد مهام عمل حقيقية رغم منصبها الكبير، فمن شئون العمارة التي تشغل عضوية مجلس إدارتها، إلى مدرسة ابنتها ودروسها الخصوصية، إلى شئون أملاكها، مرورا بمناسباتها الاجتماعية من دعوات العشاء والأفراح والمأتم، وهذا الجزء الذي يشيع حالة من الكوميديا السوداء المعبرة عن اهتمامات هذه الشريحة، فيكون فستان تلك وباروكة هذه وعدسات فلانة وحذاء هذه الفتاة محور لإبداء الإعجاب أو توجيه الانتقادات، وصولا إلى ذلك الكائن الغريب الذي نسميه نحن البسطاء فأراً- الذي تراه لأول مرة – داخل مطبخها، وأخيرا وليس بأخر كيف للأقارب والمعرف والأصدقاء أن يدخلوا متاحف مصر وأماكنها الترفيهية العامة دون تحمل كافة رسوم الدخول المحددة سلفا.

وكان الصيف أيضا مناسبة لتحديد ملمح جديد لخريطة مشاكل واهتمامات هذه الشريحة، فكان تجهيز فيلا مارينا لاستقبال العائلة خلال أيام الصيف المعدودة مشكلة المشاكل، كيف تكون الفيلا غير محاطة بزهور ونباتات للزينة؟ كيف يكون الرصيف المجاور والمقابل للفيلا غير مستعد بألوان جديدة لاستقبال الحدث السعيد؟

يضاف إلي هذه الخريطة معضلة كبرى أرقت هؤلاء وتركتهم حيارى لا يغمض لهم جفن، الضريبة العقارية،  كيف ستتعامل مع مبلغ الضريبة الذي من المنتظر أن تدفعه؟ الحل إذن في شبكة علاقاتها، فطلب صغير مؤشر عليه من احد أعضاء مجلس الشعب المرتبطة بهم يرسل إلى الوزير أو المسئول المختص سيفي بالغرض ويقيها شر الدفع، وليس أمام المرء إلا أن يتساءل إذا كان القادرون من أغنياء مصر لا يرغبون في أداء حق البلد عليهم ويملكون كل الأدوات لاتقاء هذا الشر المحدق بهم، فمن إذن عليه أن يدفع؟ وماذا نفعل نحن البسطاء؟

ومن الأمور التي تسترعي الانتباه في نظرة هؤلاء للسلطة وعلاقاتهم بها، أنهم يرون هذه السلطة موجودة لخدمتهم فقط دون غيرهم، ويمكن تسخيرها لتحقيق أي رغبة أو أمنية، فكانت مكالمتها لتهنئة احد الذين تم تعيينهم مؤخرا في مجلس الشورى، وببراءة الأطفال واطمئنان لا يخلو من يقين جازم سألت من على الطرف الأخر لماذا لم تطلب منهم تعيينك في مجلس الشعب بدلا من الشورى؟ ولكنه عادت مستدركة على العموم مجلس الشورى أكثر شياكه أما مجلس الشعب فسوق خضار.

في المقابل ظل عمال امنيستوا وطنطا للكتان وغيرهم يفترشون رصيف مجلس الشعب لأيام طويلة للمطالبة بأبسط حقوقهم الإنسانية، وليس بفيلا في مارينا أو مساحات خضراء يمتعون بمنظرها أو رصيف يدهن من اجل سيرهم، ولكن هيهات هل من مستمع أو حتى مسترق للسمع؟ تلك هى صورة مصر الآن الحائرة بين السفر إلى الساحل الشمالي لقضاء الأجازة الصيفية، أو الذهاب إلى رصيف المجلس لإعلان الاحتجاج ورفض الظلم والقهر.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s