مقتل أستاذة هذا الزمان

كما تعودت خلال الأيام الماضية تابعت قراءة رواية “عزازيل” للعبقري يوسف زيدان، اليوم توقفت عند أكثر أجزاء الرواية ألما وأكثرها مدعاة للتفكير والتأمل العميق حتى الآن، إنها لحظة الانقضاض على أستاذة هذا الزمان “هيباتيا” كما سماها أهل الأسكندرية في هذا الوقت، توقفت كثيرا عند لحظة هجوم هؤلاء المهاويس – الذين ادعوا أنهم أتباع الرب – الذين لا عقل لهم وهم يفترسون ضحيتهم ويجردوها من كل ملابسها ثم سحلها بكل قسوة وعنف، ولم يكتفوا بهذا بل أضرموا النار في جسدها لتكون عبرة لمن يتجرأ على الاختلاف معهم في الرأى.

وتوقفت عند مقولة الراهب هيبا عقب مشاهدته لهذا الجرم الكبير “أفقت من ذهولي، على حيرتي في مقصدي: هل أعود للكنيسة المرقسية التي كانت موئلي وملاذي فى الأعوام الثلاثة الماضية، فأشارك الأخوة هناك احتفالهم بنشوة الابتهاج باستغلال الديانة واستيلائها التام على المدينة…”

تألمت كثيراً من المشاهد التي رواها الراهب هيبا، وجالت فى ذهني الكثير من التصورات حول هذا الشئ الحقير الكريه، والذي هو بمثابة معبود للذين يؤمنون به إنه “التعصب”، وأدركت انه رسول ديانته الجهل، ورسالته الدمار والخراب والموت لكل من يحاول الخروج عن تعاليمه، وسيلته القتل والحرق والنبذ والتكفير لكل من يخرج عن مقاصده، وأتباعه أناس مغيبين لا عقل لهم، إيمانهم أعمى، لا يفرق بين خطاء وصواب، وبين ما اقره الله عز وجل فى صحيح رسالاته السماوية جميعا اليهودية والمسيحية والإسلام، وبين ما يقره الإنسان لمجد شخصي رخيص باسم الدين أو الإله المعبود، فهم مجرد عرائس ماريونت يحركهم رسول الجهل والتعصب، عن قناعة تامة منهم بأنهم بذلك في معية الله أو الرب أو الإله، وأنهم بقتلهم وحرقهم وفسادهم في الأرض ينفذون أوامره وتعاليمه، وهو برئ من كل هذا لأنه ليس في حاجة إلى هذا النوع من الإيمان.

وأدركت أيضا أن لغة المتعصبين الجهلة واحدة فى كل زمان ومكان، العنف وإرهاب الآخرين، ففى الرواية ظلوا يهتفون “باسم الرب سوف نطّهر ارض الرب” ، وحينما خاطبهم كبيرهم ليبرر لهم فعلتهم الشنعاء التي سوف يقدمون عليها قال “اعلموا أن ربنا المسيح يسوع كان يحدثنا نحن أبنائه في كل زمان ومكان، لما قال: ما جئت لألقي في الدنيا سلاماً بل سيفاً”. فجميع المتعصبين يدّعوا أنهم الموكلون بإيجاد المدينة الفاضلة على الأرض ومحاسبة الناس على عقائدهم.

وثار في ذهني عدد من التساؤلات بأي منطق وبأي مبرر يحق لإتباع أي دين أو مذهب مهما كان يدعي لنفسه من امتلاك الحقيقة المطلقة – وكل الأديان تفعل ذلك –أن يقتل وينكل بالآخرين لمجرد اختلافهم معه في المذهب والمعتقد؟ ولماذا يعطي المتعصبون الحق لأنفسهم في أن يحاكموا ويحاسبوا الآخرين، وليس هذا فقط بل ينزلوا بهم العقاب الرادع؟

انه الكون خلقنا الله فيه مختلفين ومتنوعين ليكّمل بعضنا بعضا ونتعاون، لا لنتصارع ونقتل بعضنا بعضا باسم الدين، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، والله عز وجل هو المنوط به محاسبة العباد وإثابتهم أو إنزال العقاب بهم، لا البشر فنحن في النهاية بشر خلقنا لله لعمارة هذه الأرض، لا للسعي في خرابها ودمارها تحت أى مسمى.

One response to “مقتل أستاذة هذا الزمان

  1. مقال رائع ياجوهري قبل فترة شاهدت فيلم امريكي يحكي قصة هيباتيا والاحداث التي دارت في مدينة الاسكندرية نحن هنا في اليمن نعاني فعلا من التعصب الذي ازهق الارواح وادخل البلاد في حروب ونزاعات لانهاية لها

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s