المال والسلطة فى مصر

سؤال طرأ على ذهنى فى صباح احد الأيام بينما أنا انتظر على باب القطار منتظرا دخوله الرصيف حتى أبدا سباق الخماسي الحديث اليومي إلى شباك التذاكر بغية الحصول على حجز مقعد فى القطار ليوم لا اعرف إن كان القدر سوف يمهلني حتى أعيشه بعد خمسة عشر يوماً.

كنت قد اعتدت على ركوب القطار المميز في أثناء فترة الدراسة فى الكلية، بالطبع عانيت كثيرا من شدة ازدحام هذه الدرجة، وحالة الفوضى التي تعمهما تماما كما هو الحال في كل ربوع مصر، فاعتقدت – واكتشفت بعد ذلك خطأ اعتقادي– انه يمكن التنعم ببعض الراحة والتخلص من بعض مظاهر الفوضى، إذا تحملت بعضا من التكلفة المالية والانضمام لركاب الدرجة المكيفة، فبالتأكيد مال أكثر يدفع قد يساعد في التنعم ببعض مظاهر الهدوء والتنظيم وغيرها من ابسط متطلبات احترام آدمية الإنسان، ولكن هيهات فالفوضى أضحت مكونا بنيويا فى المجتمع المصري.

وتتابعت في ذهني مواقف كثيرة وعلامات استفهام أكثر؟عندما تفوه احد من تعرفت عليهم خلال هذه الرحلة اليومية، ببعض الكلمات محاولا إيجاد حل لمشكلتنا، حتى نستطيع الاستمرار فى الذهاب إلى العمل ولا نضطر إلى استخدام الطريق السريع المزدحم دائما فى هذه الساعة الباكرة (فكل بديل متاح لا يخلو من المشاكل والتعقيدات فكأن مشاكلنا في مصر قد استعصت على الحل). فقال ليه ما نظبطش مع احد الموظفين القائمين على عملية الحجز ليقوم عنا بهذا الأمر مقابل نظير مبلغ من “المال”؟ المال أمره سهل هكذا قلت لنفسي وله، ولما لا ولكن من سيفاتحه في هذا الأمر؟ هكذا توجهت إلى صديقي متسائلا لابد من شخص يعرف هذا الموظف “نوع من السلطة” وتذكرت في هذه الوقت مشهد في احد الأفلام قال فيه البطل “البلدي عشان تعرف تعيش فيها لازم تظبط نفسك من فوق ومن تحت”

وتساءلت لماذا هذا الارتباط الحتمي بين المال والسلطة في مصر؟ لماذا المال وحده لا يكفي بل يجب أن تمتلك من السلطة ما يشد أذر هذا المال، ويحافظ عليه وعلى استمرار صاحبه شامخا في وجه أي حملات مشبوهة لمحاسبته وسؤاله من أين لك هذا؟

استحضرت مشاهد غزو الكثير من رجال الأعمال لمجلسي الشعب والشورى، والتصعيد السياسي للكثير من عتاة الأعمال داخل الحزب الحاكم، أيضا قضايا الفساد والجرائم الجنائية التى نسبت للكثير منهم فى الآونة الأخيرة والشبهوات التى تحوم حول البعض الآخر. نعم ارتباط المال والسلطة موجود فى كل دول العالم تقريبا وحتى الأكثر ديمقراطية، ولكن لماذا هذه الحساسية من هذا الأمر هنا فى مصر؟ ولماذا هذه العلاقة التلازمية من وجهة نظر هؤلاء بين الاثنين؟

إجابة هذا السؤال قد نجدها في طرح عدد من النقاط، أولها: متعلق بطبيعة النظم الديمقراطية التى تقوم على مبادئ الشفافية والمحاسبة والمسئولية، فالجميع سواء أمام القانون، والجميع مسئول عن أفعاله فى إطار ما كلف به من مسئولية، فهذه النظم تتميز بقوة مؤسساتها والثبات النسبى للقواعد المعمول بها داخلها، فلا يستطيع شخص بمفرده إعادة تشكيل هذه المؤسسات وقواعدها دون رقابة وتحقيق فى مآلات هذا التغيير وهدفه النهائي، حتى وان استطاع القيام بمثل هذا الأمر الخطير، فان المراجعة المستمرة والشفافية ما تلبث أن تكشف هذا الأمر للعيان، وسرعان ما تطبق مبادئ المحاسبة التى تضمن مصداقية النظام أمام المجتمع، وبالتالي تترسخ شرعيته ويزداد اقتناع الجميع بجدواه وصلاحيته لإدارة شأنهم العام.

العكس تماما يحدث في الدول المستبدة حيث المؤسسات مخصخصة لصالح أفراد معينين أو نخبة بعينها، ومن ثَمَ فهي ضعيفة هشة متمركزة حول هؤلاء، وتعمل وفق قواعد براقة وملزمة في ظاهرها ضعيفة في جوهرها، لا تطبق – في غالب الأحيان – إلا على الضعفاء، الذين لا يملكون السلطة أو المال، فيكونوا في  الغالب الأعم كبش فداء لمن يمتلكون السلطة والجاه والمال.

في ظل هذا الغياب لمبادئ الشفافية والمحاسبة وحكم القانون، تتلاشى تماما شرعية النظام داخل المجتمع اللهم إلا في عيون هؤلاء المستفيدين من وضعية الاستبداد القائمة، وشبكة الاستبداد التي انتشرت عبر أرجاء المجتمع كله، لذلك يُنظَر – من جانب أفراد المجتمع – إلى كل تصعيد سياسى لأحد القوى الاقتصادية على انه اغتصاب جديد لحقوق المجتمع وأفراده لصالح هذه القوة الاقتصادية ولصالح خدمة مصالحها الخاصة ومصالح من هم مرتبطين بها.

أما ثاني النقاط فيتمثل في حالة الخلل الاجتماعي والاقتصادى الذى يعيشه المصريون منذ أن بدا الرئيس أنور السادات حالة الانفتاح ( التى نعتها الكاتب احمد بهاء الدين بـ “انفتاح سداح مداح”). فالخلل الاجتماعي (المقصود به خلل هياكل توزيع وممارسة القوة في المجتمع)، يحمل في ثناياه الكثير من المخاطر على بنية المجتمع وتهدد وجوده واستمراره، فانقسام المجتمع إلى قلة تمتلك المال والسلطة، وأغلبية كاسحة لا تملك شيء من متاع الدنيا، كفيل بخلق الكثير من الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعصف باستقرار أي مجتمع، وتكون بدورها كفيلة بإدخاله دائرة جهنمية من العنف والتوتر الاجتماعي.

شهدت مصر في الآونة الأخيرة عدد كبير من الأنشطة والحركات الاحتجاجية التي قامت بها فئات مختلفة من الشعب المصري من عمال وموظفي الخدمة المدنية وأصحاب المهن الحرة والطلبة ، وبالرغم من أن هذه المظاهر الاحتجاجية لم تتبلور بعد في صورة مطالب عامة، تعبر عن حالة الاحتقان التى يعيشها الشعب المصرى منذ فترة ليست بالقصيرة ، إلا أنها تعتبر مؤشر على حالة من التغيير التى أصابت البنى الفكرية في المجتمع، وإعادة النظر في الكثير من المسلمات – أو هى أُريِد لها أن تكون كذلك – فى علاقة المجتمع بالسلطة في مصر، فسطوة وهيبة السلطة في نفوس المصري لم تعد كما كانت من قبل.

حالة الخلل الاجتماعي الاقتصادي نلمس مظاهرها في كل شيء من حولنا، ففي الوقت التي قررت لنا الحكومة نحن الشباب أن يكون مسكننا الجديد 63 مترا فقط( فى مشاريع إسكان الشباب أو 70 متر في مشروع ابني بيتك) في شقة تكاد – بشق الأنفس – تسع الزوج والزوجة، فلسان حالهم الحكومة  يقول ليس من حقكم أن يكون لكم أطفال – مش كفاية انتوا،  نجد إعلانات المساكن الفاخرة ذات المساحات الكبيرة والكومباوند compounds التي تعج بها الجرائد القومية – خصوصا الأهرام التى كانت فى يوم من الأيام يطلق عليها التايمز العربية، اليوم ينأى الكثير منا عن مجرد النظر إليها، ويرى أنها خسارة إذا دفعت ثمن هذه الجريدة، نعم من حقهم – ماداموا يمتلكوا المال – أن يجدوا ما يشبع نهمهم لمظاهر الترف المبالغ فيها، ولكن من حقي أيضا كفرد انتمي لهذا الوطن أن أجد مسكنا ملائما لي أعيش فيه حياتى القادمة ولا اضطرا بعد فترة وجيزة أن أبدا رحلة العذاب فى البحث عن مسكن جديد يناسب ظروفي الجديدة.

أيضا هناك الفجوة الواسعة فى الدخول بين أقلية لا تكد ولا تبذل جهدا فى الحصول على الأرباح الكبيرة التى يخلقها هؤلاء الكادحين الذين يتقاضون فتات الكبار، وهو فتات لا يخلو من المن فأصحاب العمل – طبعا ليس كلهم بل النسبة الأكبر منهم –  يعتبروا أن هذا حقكم فلا تطالبوا بأكثر من ذلك، ولما لا فهم لا يدركون ما يعانيه العامل من ارتفاع الأسعار ، فالنسبة لهم أن يرتفع ثمن سلعة خمسة قروش وليس مئة فى المائة كما حدث للكثير من السلع – على افتراض أنهم يأكلون مما نأكل منه نحن الكادحين والأمر بالتأكيد ليس كذلك – لا يعنى شيئاً، وإنما هذا أمرا عظيم بالنسبة لفرد يتقاضى مثلا ثلاثمائة جنيه ويعول أسرة تتكون فى المتوسط من أربع إلى خمسة أفراد، لا يعلمون بما يشعر هؤلاء حينما سمعوا أو قرءوا أن احد هؤلاء الكبار  قد انفق بضعة ملايين على سبيل التعويض المدني عن قتل المغنية، أليس من حق هؤلاء أن يتساءلوا هل هو بهذه السهولة يفرط – إن كان هذا الاتهام صحيحا فالمتهم برئ حتى تثبت إدانته – فى مثل هذا المبلغ الكبير الذى يكفى لإطعام الآلاف من الأسر المصرية من اجل جريمة كهذه؟ اهو ربح هذا المال بسهولة ليفرط فيه بهذه السهولة؟ بالطبع هناك الكثير من الأمثلة المشابهة التى لو ظللنا نحصيها ونعدها ما استطعنا.         

بالطبع هذه النظرة إلى رجال الأعمال على إطلاقها ليست نظرة صحيحة فهناك الشرفاء الذين يحملون هموم هذا الوطن فى قلوبهم ولكن الظروف التى يعيشها المجتمع هى التى ساعدت على هذه النظرة السلبية ونبذ أى دور سياسى لرجال الأعمال.        

            

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s