المصريون والسلطة.. علاقة مضطربة لماذا..؟!

لا اعلم لماذا واتني هذا الشعور عندما سمعت كلمات هذا الشاب ، لا اعرفه من قبل جمعتني به إحدى رحلات العودة إلى البيت – في القطار كما هو المعتاد بالنسبة لي – يقطن إحدى القرى المجاورة لمحافظتي، عندما ذكر لي اسم قريته تذكرت احد المسئولين الكبار في البلد – أو كان كذلك – دائما ما ارتبطت هذه القرية في أذهان الكثيرين باسم هذا الرجل، فأضحى هو دليلا على وجودها ورمزا لها.

رأيت أن أتحدث معه قليلا ريثما تنتهي الرحلة، فعندما استفسر منى عن مدى معرفتي بالقرية فضحكت وقلت نعم ففهم مغزى ابتسامتي، فالجميع تقريبا في مصر يعرف هذه القرية لأنه ينتمي إليها، واستطردت ولكن أمره قد يكون انتهى لصالح الفكر الجديد والقيادة الجديدة التي تعبر بمصر وتتقدم بها إلى الأمام، ولكنه سارع مستنكرا كلماتي، مؤكدا على انه ما يزال الأكثر قوة ونفوذا وأعطاني الدليل، هو – من وجهة نظر هذا الشاب – انه هو وولده يمتلكون أرقاما للمحمول مميزة، لا يمكن للناظر لها من أول وهلة تمييز أصفارها من بعضها البعض.

أصابتني دهشة كبيرة من هذه الإجابة، هل وصل إدراكنا لمدى سطوة السلطة والماسكين بتلابيبها في هذا البلد إلى هذا الحد الهين من مظاهرها، إن جاز لنا اعتبار أن امتلاك أرقام مميزة للمحمول احد مظاهرها، ولكني أنا أيضا أتملك رقما مميزا لمحمولي ولكن ليست لي سلطة، ولكن رغم ذلك كل من يراه يبادرني بالسؤال عن مكان عملي.

ولكن سرعان ما ذهبت دهشتي عندما مر في ذهني مدى الرهبة والقداسة التي يحملها غالبية المصريين للسلطة الحاكمة، فمنذ أن وجدت الدولة المصرية في البدايات الأولى للحضارة البشرية، والمصريين لهم حاكم واحد يضفون عليه كل ألوان الهيبة والقداسة، فهذا الحاكم كان في عهد الحضارة الفرعونية الإله أو ابن الإله ، له كل الحق في التصرف كما يشاء في حقوق رعاياه.

وحتى يومنا هذا ما تزال هالة القداسة والإذعان والخضوع للسلطة موجودة، في العقلية المصرية، وتلعب دوراً في تحديد شكل واتجاه العلاقة بين السلطة والمجتمع في مصر، ونلمس مظاهره في الكثير من أحاديثهم الجانبية وفي تصرفاتهم تجاهها ، ويتبلور هذا التصور الذهني في مستوى الحركة بين المصريين فى شكل لامبالاة وسلبية كبيرة تنصرف تماما عن المطالبة بحقوقهم خوفا من البطش الذي سينزل بهم إذا فعلوا ، وتعبيرا عن يقين من جانبهم بأنه ليس هناك حل لما هم فيه إلا من قبل العناية الإلهية التى ستقول قولتها عندما يحين الوقت، متناسين تماما أن الله لا يغيروا ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، ويكاد يكونوا يجزمون انه لا أمل في المستقبل فهو من وجهة نظرهم سوف يكون في الأغلب الأعم أسوا من يومنا الذي نعيشه، ولكن ليس بأيدينا إلا أن نصبر.

تقديس المصريين الشديد للسلطة يجد تأوليه في العديد من العوامل المتعلقة بالمصريين أنفسهم أو متعلقة بسلوك السلطة الحاكمة تجاه المجتمع وأفراده. أولى هذه العوامل منظومة القيم لدى المصريين التي تحمل تقديسا شديدا لكل ما يتعلق بالسلطة، وان كل مغنم أو ميزة يمكن أن يحصل عليها الفرد، لا يمكن أن تتحقق إلا إذا عن طريق السلطة ، فليست الكفاءة ولا الجدارة هما الطريق للحصول على أيا من  الامتيازات والصلاحيات، وإنما السلطة.

فإذا كان لك شيء – أو مصلحة بالمعنى الدارج لدى المصريين – لابد أن يكون لك معرفة في المكان حتى تنهيها، خصوصا إذا كانت أشياء مرتبط إنهاءها بموافقة جهات الحكومية ، وإلا سترى الويلات في سبيل إنهاءها وقد لا تنهيها أصلا حتى تضع في الدرج بعضا من خيرات جيبك. ليس هناك شعور بان هذا حقك ويجب أن تأخذه ، وإنما هناك شعور بان هذه منة من الحكومة ومن الموظف القائم عليها، يهبها لك وله كل الحق في أن يفعل ما يشاء وأنت فقط عليك الإذعان. لذلك لا أعجب كثيرا للهاث كثيرين خلف عضوية الحزب الوطني من اجل أن يحملون بطاقة العضوية الخاص به ، يشهرونها في كل موقف قد يتعرضون له للتخلص من العقاب أو للحصول على بعض الامتيازات.

ولننظر أيضا إلى الكثير من أفراد النخبة المثقفة التي ارتضت لنفسها أن تبيع ضميرها ومكانتها من اجل حفنة من المناصب الزائلة أو سيل من الامتيازات التي يمكن أن تغدق عليهم إذا هم وافقوا على توظيف ما يمتلكوه من رصيد وعلم واحترام لدي الناس من اجل تبرير ممارسات تأخذ البلاد من انحدار إلى تدهور وتخلف، فنجدهم أضحوا أعضاء في المجالس التشريعية بالتزوير وبالتعيين وجلسوا على مقاعد السلطة الأثيرة في مختلف مؤسساتنا الثقافية البالية وشغلوا مناصب قيادية في هيئته العليا وأمانة سياساته، وبدلا من أن يكون علمهم وخبرتهم وسيلة للنهوض أضحوا وسيلة للركود واستمرار الأمور على تدهورها وتراجعها.

ثاني هذه العوامل متعلق بحلقات ودوائر الضعف التي أُحكِمَ على المصريين غلقها ، والضعف هنا له أشكال كثيرة سواء ثقافيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا، وهذه الحلقة الأخيرة من الضعف هى الأهم في هذا الإطار ، فالحالة الاقتصادية السيئة التي يعيشها المصري تجعله يفكر كثيرا قبل أن يقوم بأي عمل قد تراه السلطة مناوئا لها، فقد أُحيِط هذا الفرد بدخل محدود للغاية، وأسرة عليه إعالتها، وسلطة متغولة تستطيع أن تبطش به في أي وقت وفي أي مكان، ويمكن أن تحرمه حتى من دخله المحدود، هذا الذي لا يكاد يكفيه الكفاف، فيؤثر السلامة خوفا على عمله الذي سيفقده، وأسرته التي لن تجد من يعولها بعده وأولاده الذين قد يكون مصيرهم الشارع.

أما العامل الثالث فيكمن في تغّول السلطة الحاكمة وبطشها الشديد بالمصريين فبدلا من أن تتغلغل السلطة في كل أرجاء الوطن جغرافيا، ليشعر بها المواطن في كل مكان يتواجد فيه، هذا الشعور يتجلى في خدمات جيدة تؤديها الدولة لهم تحفظ كرامتهم وتحمى حقوقهم، وتقوم بوظائفها المعتادة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وأضحى البطش والقتل والسحل هو أفضل ما لديها لتقوم به، وقد اجادت السلطة هذه الوظيفة وتقوم بها على خير وجه.

ولكن المشاهد أن السلطة وحزبها الوطني قد خصخص وظائفها لصالح النخبة الحاكمة والمرتبطين بها، فساد شعور لدى المواطنين – تسنده مشاهدات الواقع – أن الدولة فقط تقوم بهذه الوظائف لخدمة فئة معينة من الأفراد، الذين تم تصعيدهم سياسيا ليكون هم الذين يديرون سياسة الدولة على المستوى الداخلي، فكم من قوانين تم سنها لصالح هؤلاء، وكم من إجراءات تم تعطيلها إذا اقتضت مصالحهم ذلك.

الوظيفة الوحيدة التى أضحت الدولة تجيدها الآن هى الوظيفة الأمنية، ولكن ليس لصالح أمن الوطن والمواطن وإنما امن حاكمها وبطانته، فستدهشك أعداد سيارات الأمن المركزي التي تحوط المكان لمواجهة مجموعة من الأفراد عددهم لا يتعدى المئات أو حتى العشرات، من أولئك الذين قرروا أن يستخدموا ابسط حقوقهم في التظاهر أو الاعتصام.

كما صنعت الدولة المصرية لنفسها وظيفة جديدة لم نعتدها، وظيفة رشوة مواطنيها، ففي السنوات الأخيرة تصاعدت حدة الاحتجاجات الاجتماعية لبعض الفئات من العمال وبعض موظفي الخدمة المدنية في الدولة، للمطالبة ببعض حقوقهم المرتبطة بالأجور أو الحالة الوظيفية أو سياسات الخصخصة التي شردتهم، وقد تعاملت الدولة مع هذا النوع من السلوك الاحتجاجي بأحد وسيلتي، أولهما محاولة احتوائها من خلال الالتفاف على هذه المطالب وإمكانية تحقيق جزء منها، فحاولت احتواء مطالب القضاة وموظفي الضرائب العقارية وخبراء وزارة العدل، أما الوسيلة الأخرى فكانت قمع هذه الحركة لتفادي تأثير كرة الثلج، فكان استخدام القوة المفرطة ضد شباب حركة 6 ابريل.

ما يزال خوف المصريون من السلطة ونظرتهم لها عائق أمام قدرتهم على التحرك لإصلاح أحوالهم وإصلاح هذه العلاقة المختلة، والتي بدورها أدت إلى هذه الحالة تعيشها مصر، فالسلطة موجودة لتخدم وتحكم وليس لتعربد وتستبد.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s