رسالة ثلاثاء الغضب: أصلحوا أو ارحلوا…

يومُ لم أكن أتوقعه، هل يمكن أن يخرج احد في يوم الغضب؟ أم أني سوف أقابل نفس الوجوه التي أراها في كل مظاهرة تخرج؟ بداية على أن اعترف بأنها كانت مفاجئة، ولكنها كانت من أكثر المفاجئات التي أدخلت سرورا على قلبي، انه يوم جديد في حياة المصريين، ولكنه لم يكن يوم مثل باقي الأيام.

يوم دعا إليه شباب مصر الحر على اختلاف انتماءاتهم لإعلان الغضب ضد كل ما هو قائم في مصر، من فساد، وظلم اجتماعي، وتزوير لإرادة الشعب، واستبداد سياسي، وبطالة وفقر وجهل، تلك العلل التي استشرت في جسد الأمة المصرية، فمرض وسكن طريحا للفراش، جعل من يسيًرون أمر الشعب، ويقومون على شأنه بما يفسده وليس بما يصلحه، يعتقدون أنهم في مأمن من الحساب، لأن من بيده حسابهم – الشعب – لن يشكو، لن يتذمر، لن ينزل إلى الشارع مطالبا بحقوقه أو بـ “تغيير… حرية… عدالة اجتماعية” كما صرخت الحناجر في يوم الغضب، هم صابرون يرضون بالفتات أو بالأقل من الفتات.

الآلاف من المواطنين من كل الفئات، رجال ونساء، شباب وفتيات، شيوخ وسيدات كبار في السن، ذوي الاحتياجات الخاصة، كل خرج في حب مصر، يحدوه الأمل بإمكانية التغيير والإصلاح، نعم حشود المواطنين التي توافدت من كل حدب وصوب ألقت بذرة الأمل في على ارض مصر الجدباء، وجاءت خراطيم مياه الشرطة التي خصصت لتفريق حشود المتظاهرين فإذا بها تروي بذرة الأمل، فتنبت وتكبر.

طاردتنا الشرطة في شارع القصر العيني بالمياه والبلطجة، جرينا وتفرق الجمع، نعم تفرق الجمع، ولكن الأمل الذي حيي مرة أخرى في نفوس العباد لن يموت مرة ثانية، فقد توافد الشباب إلى ميدان التحرير ليعلنوا أنهم باقين في الميدان معلنين التحدي حتى يستردوا حريتهم، أيضا تفرق الجمع بحلول منتصف الليل بعد قصف كميات كبيرة من الغاز المسيل للدموع، ظل يملئ الجو في سماء التحرير حتى الصباح الباكر، ملئ انفي حينما ذهبت إلى هناك في الصباح لانضم مرة أخرى لقوافل الأمل والتغيير والإصلاح.

قد تكون المظاهرات انتهت، ولكن الأمل بدأ ينبت، وإرادة التغيير وجدت، والاعتقاد في إمكانية التغيير وجدت طريقها إلى نفوس المصريين، فامنوا بها وبدءوا يأخذون بأسبابها، وبينما كنت استقل الحافلة في طريقي إلى ميدان رمسيس بعد أن تفرق الجمع، سألتني سيدة مسنة كانت تجلس بجواري ماذا استفدتم مما فعلتم؟

إن الشباب الذي خرج في مثل هذا اليوم لم يكن يسعى إلى استنساخ تجارب دول أخرى، أو يكون مجرد مقلد اعمي للآخرين، كما قال المدعو أسامة سرايا الذي يرأس – وللأسف الشديد – تحرير جريدة الأهرام، ولكنهم أرادوا أن يعيدوا اكتشاف أنفسهم، ويصنعوا تجربتهم الخاصة، ويعبّدوا طريقهم للحرية والعدل بأدواتهم ومعداتهم وتخطيطهم الخاص، ليس بوحي التقليد ولكن بوحي الفطرة الإنسانية السوية، التي فطرنا الله عليها، فطرة تأبى الظلم والقهر والاستبداد، فطرة تعلي من شأن الكرامة الإنسانية والعدل.

هي رسالة بسيطة أردنا أن تصل لمن صمّوا آذانهم عن صوت الشعب ومعاناته، من نسوا انه مهما طال العهد بالباطل فهذا لا يصيره حقاً، شعب مصر إن غفل قليلا عن حقوقه وعنكم وعن فسادكم فإنه لم يمت، هو حي يرزق، وهو قادر على أن يسترد كرامته وحريته، وليس أمامكم إلا احد أمرين “أصلحوا أو ارحلوا”.

رسالة نموذجية بلغة دارسي الإعلام، مرسل هو الشعب بكل طوائفه (نحن موجودون لم نمت)، رسالة واضحة جلية (الآلاف المتظاهرون في الشارع يطالبون بالحرية والكرامة والعدل “أصلحوا أو ارحلوا”)، وسائط فعاله يتم تحديثها باستمرار، لم يكن بينها وسائل الإعلام التي تجاهلت الأمر برمته، ولكن تكنولوجيا الاتصال الحديث أتاحت لنا التواصل ومعرفة الأحداث أول بأول عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أما المُستَقبِل (النظام الحاكم وأعوانه) فما تزال هناك علامات استفهام حولهم، هل فهموا الرسالة؟ أم ستأخذهم العزة بالإثم؟ فيزدادوا تجبرا وظلما واستبداداً وبطشاً بأبناء هذا الشعب، فيزداد الشعب إصراراً على استرداد حريته مهما كان الثمن.

أصلحوا أو ارحلوا… أصلحوا أو ارحلوا… أصلحوا أو ارحلوا… أصلحوا أو ارحلوا…

One response to “رسالة ثلاثاء الغضب: أصلحوا أو ارحلوا…

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s