مفهوم السلف والسلفية

إعداد محمد الجوهري

أولا: حالة المفهومSalfism

مفهوم السلفية من المفاهيم التى يكتنفها الكثير من الغموض واللبس لكثرة تناوله من قبل تيارات فكرية مختلفة ، تنطلق – فى غالبها – من موقف فكرى حدى من المفهوم. فهناك من يرون السلفية والسلفيين يمثلون التيار المحافظ والجامد والرجعى فى المجتمع خصوصا فى الجوانب الدينية. على الجانب الأخر هناك من يرى فى السلفية الجانب المستنير فى حياتنا الدينية على اعتبار أنها التيار الأكثر تحررا من الخرافة والبدع. وتتراوح اتهامات السلفية بين الجمود والتجديد من جانب، وبين الاستنارة والظلامية من جانب آخر.   

ثانيا: الدواعى الدافعة لبناء المفهوم

الغموض الذى يكتنف المفهوم ، هذا الغموض فى – جانبه الأكبر – راجع إلى فكر وممارسات الكثير من القائمين على حمل لواء التيار السلفى فى مجتمعات الأمة الإسلامية، فمنهم بالفعل الجامدون المحافظون ، وهناك من يحملون لواء التجديد الدينى، ومنهم يرى سلفه الصالح فى علماء عصر الانحطاط الذى منيت به الحضارة الإسلامية بعد وصولها لأوج نهضتها ، ومنهم من يرى سلفه الصالح فى أعلام عصر الخلق والإبداع والازدهار الذى عرفته امتنا الإسلامية. أيضا من السلفيين من يتنكرون للعقل كقوة إنسانية، عندما ينكروا عليه قدرته على البرهنة والحكم والتمييز بين ما هو نافع وما هو ضار، ويترك تلك القدرة فقط للنصوص الشرعية وحدها دون غيرها. وهناك من السلفيين من يعلى من قيمة العقل، ويمنحه الاستقلال فى العالم الدنيوى وما به من ظواهر ومعضلات حياتية، ويجعل السلطان فقط للنصوص والمأثورات لتفسير عالم الغيب.[1]

ثالثا المفهوم لغة واصطلاحا

السلفية قامت على رد كل ما يتعلق بالعقيدة الإسلامية إلى طبيعتها الأولى حسبما كانت عليه أيام الصحابة والتابعين، فلا يأخذوها إلا من معينها الاصلى ومنابعها الأولى ، أى من الكتاب والسنة، فنهج هؤلاء الطريقة التى كان يتبعها السلف الصالح، ولذلك أطلقوا على أنفسهم لقب “السلفيين.”[2]

والسلف يعنى الماضى وما سبق الحياة الحاضرة التى يحياها الإنسان فى الوقت الحاضر، هذا المعنى دلت عليه الكثير من الآيات القرآنية من قبيل “فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين” (الزخرف: 56) ، “قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف” (الأنفال:38). أيضا السنة النبوية أكدت على ذات المعنى ، ففى مسند احمد بن حنبل ، عن ابن عباس ، رضى الله عنهما ، انه لما ماتت زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الرسول الكريم: “الحقى بسلفنا الصالح…” ومن السلفيين من هم أهل جمود وتقليد ، ومنهم أهل التجديد الذين يعودون إلى المنابع لاستلهامها فى الاجتهاد لواقعهم الجديد.[3]

وفى معاجم اللغة العربية لا يختلف مضمون المصطلح عن المعنى السابق، ففى “لسان العرب” لابن منظور”السالف: يعنى المتقدم” ، وفى المعجم الوسيط السلفية من مادة “سَلَفَ” ، وتعنى تقدم وسبق ، وسلف الشئ أى تقدمه وسبقه.[4] والسلف: كل ما تقدمك من آبائك وذوى قرابتك فى السن أو الفضل، وكل عمل صالح قدمته. أما السلفى: من يرجع فى الأحكام الشرعية إلى الكتاب والسنة ويهدر ما سواها). أما كشاف اصطلاحات الفنون “للتهانوى” “فكل من تقدمك من آبائك وقرابتك هو سلف لك.” فإذا كان الكتاب والسنة وكذلك المذاهب الشرعية جميعهم ماضٍ، ومتقدم على عصر تدوين هذه المعاجم والكشافات، وهو العصر الذى أصبح فيه الاجتهاد سلفا مضى، وبالتالى فان القران والسنة ومعاجم اللغة وكشافات التعريف والمصطلحات قد أجمعت على أن السلف هو الماضى والمتقدم، وعلى أن السلفيين هم الذين يحتذون حذو هذا الماضى والمتقدم والسالف.[5] أما السلف فى الاصطلاح فهم أهل القرون الأولى الخيرة التى جاء الثناء عليها من الرسول (ص).[6]

رابعا: ذاكرة المفهوم ووسطه

نقلت الفتوحات الإسلامية الكبيرة التى قام بها المسلمون عند نهاية القرن الأول الهجرى من ذلك المجتمع البدائى البسيط الذى كان تناسبه الأساليب الحضارية المحدودة إلى مجتمع أكثر تعقيدا ، وكانت هذه الحياة البسيطة لا تحتاج فى تعامل المسلمين معها سوى فهم الإسلام من نصوص القران والسنة الشريفة، دونما تأويل أو قياس أو اجتهاد.

ولكن جاءت الفتوحات الإسلامية – التى وصلت فى مداها إلى أنحاء كثيرة من العالم آنذاك – لتنقل المسلمين إلى طور حضارى جديد، وإلى فصلا جديدا من فصول التفاعل مع حضارات إنسانية مغايرة للبنية الحضارية الإسلامية فى مناحٍ كثيرة، حضارات مثل حضارات الفرس والهند ومصر والشام واليونان، هذا المستوى الجديد من التفاعل الحضاري فتح الباب أمام ظهور بنية مجتمعية إسلامية جديدة، أكثر تعقيدا وتنوعا فى قضاياها ومشاكلها وأبنيتها ومؤسساتها.

ومن ثَم أصبحت النصوص الشرعية – القران الكريم والسنة النبوية – فى حاجة إلى أدوت ووسائل جديدة وبراهين معقدة، كي تكون قادرة على إقناع أقواما وشعوبا جديدة من خلفيات ثقافية وحضارية مختلفة عن حضارة وثقافة شعب الجزيرة العربية، تلك الحضارات كانت بناها الفكرية معتمدة على أساليب المنطق والفلسفة اليونانية، التى ابتدعها رموزها الكبار أمثال أرسطو وأفلاطون، وبالتالى لم يجدى التعامل معهم فقط بمنطق النصوص السماوية التى لا يؤمن بها هؤلاء، فكان لابد من التعامل معهم بنفس سلاحهم سلاح الأدلة والبراهين العقلية، ووسط هذه الظروف أنتجت الحضارة الإسلامية أولى أعلامهما من رموز المفكرين المسلمين (المعتزلة) الذين ذهبوا فيما وراء النصوص مستخدمين أساليب العقل والتأويل والقياس.[7]

فالدعوة السلفية لم تظهر كأحد التيارات الفكرية الرئيسية فى العالم الإسلامى، إلا عندما بدأت الحضارات الأجنبية – التى تفاعل معها المسلمون سواء بحكم الفتوحات الإسلامية أو بحكم عمليات التبادل التجارى – تؤثر فى المسلمين ومعتقداتهم وطريقتهم فى الحياة، فتحرف بعضهم وتزين للبعض الأخر بعض الممارسات التى تخالف صحيح الدين الاسلامى، وكلما زادت هذه المؤثرات فى فعلها فى عالم المسلمين اشتدت الحركة السلفية وقويت.[8]

فى البداية لم يجد هذا الاتجاه قاعدة شعبية من جمهور المسلمين تؤيده، فهو فكر لم تستوعبه عقول البسطاء، فكان فى نظر الكثيرين فكر صفوة ، وظهرت لهذه القواعد الشعبية قيادات تنادى بالعودة إلى إسلام السلف (ممثلا فى حقبة البعثة النبوية وفترة الخلفاء الراشدين) ، وكان على رأس هذه الحركة الفكرية احد أئمة المسلمين الكبار الإمام احمد بن حنبل ، وتبلور هذا التيار – بصورة أكثر وضوحا – فى ظل حكم العباسيين.[9]

مقولات التيار السلفى كما صاغها إمامها الأول احمد بن حنبل[10]:-

Ø     الإيمان قول وعمل وهو يزيد وينقص تبعاً لنقاء العقيدة، وتبعا لزيادة العمل ونقصانه.

Ø     القران كلام الله وفقط، ليس بمخلوق كما يقول المعتزلة.

Ø     صفات الله التى وصف بها ذاته لا نلجأ فى بحثها إلى رأى وتأويل.

Ø     عالم الغيب لا ينبغى أن نخوض فى بحثه.

Ø     رؤية أهل الجنة لله عقيدة حق يجب أن يؤمن بها المؤمن.

Ø     علم الكلام منكر واخذ العقائد بأدلته منكر.

Ø     القضاء والقدر لا يكتمل الإيمان بدونهما.

Ø     الذنوب والكبائر لا تجعل المؤمن كافرا ولا تخلد صاحبها فى النار.

Ø     خلافات الصحابة لا يجب الخوض فيها.

Ø     الفرائض والمعاملات نؤيدها كما ورد ذكرها فى النصوص الشرعية القرآن والسنة.

بالإضافة إلى هذه المبادئ أكد الإمام احمد بن حنبل على ضرورة التوقف عن كتابة الكتب والوقوف فقط عند جمع الحديث والمأثورات. وبالتالى فان الدعوة التى أطلقها الإمام احمد بن حنبل تلخصت فى ضرورة العودة إلى إسلام المسلمين الأوائل هذا الإسلام البسيط الذى عرفته الجزيرة العربية مع بعثة النبى الكريم (ص)، الذى نستمد فهمه من النصوص الشرعية والمأثورات دون أعمال التأويل والقياس والاجتهاد.

وتقوم الدعوة السلفية على عدد من الأصول أهمها:-

1)    التوحيد، والتوحيد عند السلفية ثلاث أنواع، أولهما توحيد الربوبية: والذى يعنى أن لهذا الكون خالقا واحدا فقط هو الله سبحانه وتعالى. ثانيهما توحيد الإلوهية: وهو أن يخص المسلم أنماط العبادة كلها لله عز وجل. أما ثالثهما فهو توحيد الأسماء والصفات: وهذا النوع من التوحيد يجهله الكثير من المسلمون بل أنهم يخالفون مضمونه، فهو يعنى الإيمان بأن احداً لا يشارك الله فى صفة من صفاته.[11]

2)    مسألة الإتباع، بمعنى المصدر الذى يعتمد عليه فى اخذ الأحكام الشرعية وطرق التفقه فى الدين، وفى هذا يؤكد السلفيون أن الأصل هو إتباع الكتاب والسنة مصداقا لقوله تعالى “اتبعوا ما انزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء” (الأعراف: 3).[12]

3)    التزكية الروحية والتصفية النفسية، ويؤكد أعلام السلفية على أن وسائل هذه التزكية الروحية يجب أن تكون من هدى الرسول الكريم (ص) وهدى السلف الصالح.[13]

4)    التحذير من البدع ، وما ادخل على الدين من محدثات، هذه المحدثات التى دخلت الدين فغيرت من حكم الله[14]، فيقول الله سبحانه وتعالى “أكملت لكم دينكم” (المائدة: 3) ن وقال رسول الله (ص) “إياكم ومحدثات الأمور”.

5)    الأحاديث الضعيفة والموضوعة ، ويحذر السلفيون من هذه الأحاديث لأنها ضرباً من ضروب البدع ، وقد حذر من الرسول الكريم (ص).[15]

إذن هذه الأصول أضفت هالة من القداسة على النصوص الشرعية، وشاع فى الحركة السلفية تعظيم الماضى وكلما ازداد هذا الماضى قدما واقترابا من عصر الصحابة كان أولى بالأخذ به فى فهم الدين، هذا الموقف الذى اتخذته السلفية من تقديم النصوص على ما عداها راجع إلى إيمانهم المطلق بإحاطة هذه النصوص بأحكام جميع الحوادث، مع إمكانية الأخذ بالقياس الصحيح الذى يكون فيه الشبه بين المقيس وبين المقيس عليه.

التيار السلفى مذهبا للدولة الإسلامية

مع مقدم الخليفة المعتصم فى الفترة (232 هـ – 247هـ ) قام بإقصاء المعتزلة واستبدلهم بالسلفيين، وبالتالى حلت النصوص محل العقل والرأى والتأويل فى تفسير الدين، وصار الإمام احمد بن من المقربين من رأس الدولة الإسلامية آنذاك، ومع هذا الموقع الجديد ازدهرت وانتعشت الاتجاهات السلفية، وانتشرت أعمال أهل الحديث الذين هم أعلام الاتجاه السلفى.

ولكن مع قيام الدولة المملوكية فى تاريخ الحضارة الإسلامية انتكست الحركة السلفية ، حيث شاعت البدع والمحدثات فى الدين، مما كان حافزا إلى أن تشهد الحركة السلفية صحوة كبيرة فى تاريخها على أيدى أئمة كبار على رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قيم الجوزية، ولكن هذه الصحوة اتخذت موقفا مرنا من القياس والتأويل، حتى تتعامل مع التعقيدات التى طرأت على حياة وبنية المجتمع الاسلامى التى عاشها أئمة السلفية فى هذا الوقت ، ورغم ذلك لم تنجح السلفية فى أن تصير مذهبا للدولة.

مع مجئ الدولة العثمانية مرة أخرى انتشرت الكثير من البدع والخرافات، وعاد الإسلام غريبا فى ارض المسلمين فنشطت الحركة السلفية مرة أخرى لدفع هذه البدع عن الإسلام، وحمل لواء هذه الحركة عدد من أعلام الحركة السلفية فى العصر الحديث أمثال محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن على السنوسى وجمال الدين الأفغاني، واتخذت السلفية أيضا هذه المرة موقفا مرنا من التأويل والرأى والقياس.[16]

فسلفية العصر الوسيط اتفقت مع الرعيل الأول من السلفيين فى الأصول، ولكن مع إظهار بعضا من المرونة فى الاعتماد على القياس والتأويل العقلى ، إلا أن سلفية العصر الحديث – والتى قامت فى إطارها مدارس وتيارات مختلفة – احتفظ بعضها بمقولات السلفيين الأوائل فى الاعتماد فقط على النصوص الشرعية فى فهم الدين دون أى مساحة لإعمال العقل، فى حين اتجهت تيارات أخرى إلى إعلاء سلطان العقل فى الذهاب إلى ما وراء ظاهر النصوص، مبتغية إعادة بعث خير ما فى الحضارة العربية الإسلامية، كما أرادت أن تبنى سياجا من العقلانية تقاوم به الزحف الحضارى القادم مع التكالب الاستعمارى على دول العالم العربى والاسلامى وصاغ إعلام التيار السلفى الحديث أصول منهجهم فى خمسة أركانا أساسية مرتبة[17]، هى:-

1)    الأصول: فإذا وجد النص أفتى به.

2)    ما أفتى به الصحابة وما اجمع عليه غالبيتهم.

3)    فان اختلف الصحابة اخذ ما كان اقرب إلى الكتاب والسنة.

4)    الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف.

5)    القياس للضرورة.

موقف السلفيون من عدد من القضايا.[18]

هناك عدد من القضايا المحورية التى اهتم بها التيار السلفى وكانت محورا ومرتكز للكثير من مقولاته ، لذلك لزم الإشارة إليها ، ومن أهم هذه القضايا:-

أولا:العقل رفضت السلفية العقل كما تصوره فلاسفة اليونان ومن تبعهم من علمائهم المسلمين، هذا التصور الذى يجعل العقل جوهرا قائما بذاته، وبالتالى فهو أداة يدرك بها الإنسان كنه العالم المعاش. أما السلفية فتعتبر العقل الغريزة التى جعلها الله فى الإنسان يعقل بها، وبالتالى فهو غير مستقل فى إدراكه، ويحكم السلفيون بالضعف أو الوضع على كل ما ورد فى فضل العقل من أحاديث. فكان ابن تيمية يؤكد انه لا سبيل إلى معرفة العقيدة والأحكام الشريعة وكل ما يتصل بها إلا من القران والسنة المبينة له، وليس للعقل سلطان فى تأويل القران وتفسيره، إلا بالقدر الذى تؤدى إليه العبارات وما تضافرت عليه الأخبار، وإذا كان للعقل سلطان بعد ذلك فهو فى التصديق والإذعان، فالعقل يكون شاهدا وليس حاكما.[19]

ولكن رغم ذلك فان السلفية لم تحظر تماما إعمال العقل البشرى خصوصا فى الأمور الدنيوية والأخذ من العلوم الدنيوية، وذلك بشرط إلا تخالف هذه العلوم والنظريات الدنيوية ما جاء فى النصوص الشرعية الإسلامية. وتستدل الحركة السلفية بإعطاء مساحة للعقل البشرى بالحديث الذى ورد عن الرسول الكريم (ص) “إذا حدثتكم عن أمور دينكم فخذوا به وإذا حدثتكم بأمر من أمور دنياكم فانتم اعلم بأمور دنياكم”.[20]

ثانيا: السببية واتخذ السلفيون موقف وسطى منها ، إذ اعترفوا بالأسباب وبفعلها فى المسببات، ولكن ليس على وجه الاستقلال بالفعل ، لان السبب يظل دائما وأبدا فى حاجة – لكى يفعل المسبب – إلى سبب أخر ، والسبب الذى يفعل دون الحاجة إلى سبب هو الله سبحانه وتعالى.[21]

يمكن القول أن موقف التيار السلفية من هذه القضايا كان متفرعا على موقفه من النصوص الشرعية فلم يكن فى البداية يعترف بأى دور للعقل فى تفسير وتأويل الدين، ثم بعد ذلك مع تغيير الظروف وتطور المجتمع الإسلامي، أعطى هذا التيار مساحة كبير للقياس والاجتهاد ، ولكن ظلت احد أهم مبادئ وأصول التيار السلفى هو أن الدين يجب أن يفهم فقط وفق منهجهم النصوصي، دون الحاجة إلى تأويل.

إسهامات السلفية فى الفكر السياسى

مع تطور الحياة فى المجتمع الاسلامى وظهور العديد من المستجدات الأمر ، اضطر العلماء والفقهاء وأيضا الحكام والولاة إلى تشريع أحكاما للتعامل مع هذا المستجدات، فوجد إلى جانب “الشرع المنزل” ما يسمى بـ “الشرع المتأول” الذى يعتمد بالأساس على اجتهادات المجتهدين وفقه الفقهاء وتشريعات الحكام والولاة، أو بالمعنى الحديث “تراث الأمة السياسى والقانونى”، فهو تراث ذات طبيعة دنيوية وليس طبيعة دينية ، وقد دافع ابن تيمية وابن القيم عن اندراج هذا التراث فى إطار الشرع والشريعة، حيث يؤكدان على أن لفظ “الشرع” صار يحمل معنى غير معناه الاصلى، ويشير فى الأساس إلى ثلاثة أقسام:-

1)    الشرع المنزل وهو الكتاب السنة.

2)    الشرع المتأول.

3)    الشرع المبدل وهو الافتراء على الشريعة.

هذا الفهم الجديد للشرع نبع بالأساس من تأسيس أعلام التيار السلفي لمفهوم شامل لمصطلح السياسة، فيؤكد ابن عقيل احد أئمة السلفية أن السياسة هى “ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه اقرب إلى الصلاح وابعد عن الفساد”. كما ربطت السلفية بين العادل من الفكر السياسى وبين الشريعة ، واضعين مقاصد الشريعة فى قلب اهتمامهم، جاعلين هذه المقاصد المعيار لما يقبل أو يرفض من الفكر السياسى. فلقد وسّع الاتجاه السلفى من مفهوم الشرع والشريعة لينضوى تحت مظلته مفهوم السياسة، وأكدوا انه أشياءً من قبيل الدولة وأقسام ولاياتها واختصاص الولاة هى أمور ذات طبيعة مدنية، معيار الحكم فيها مصلحة الأمة لا دخل للشرع فيها.[22] خلاصة الأمر أن السلفية جعلت جماع السياسة أمران لابد منهما “أداء الأمانات إلى أهلها ، والحكم بالعدل.” واتخذت السلفية موقفا رافضا للثورة من اجل رفع المظالم ، معتبرين أن الخروج على الحاكم هو بداية لفتح باب الفتن على الأمة وإيذانا بخراب الديار.[23]

خامسا: شبكة المفاهيم المرتبطة بالمفهوم

التجديد ، الجمود ، والإصلاح وهى  مجموعة من المفاهيم الأشد ارتباطا بمفهوم السلفية – خصوصا مفهوم الجمود، حيث استطاعت الكثير من التيارات الفكرية فى المجتمعات الإسلامية والغرب إلصاق صفة الجمود وعدم القدرة على التجديد بالتيار السلفى، وبالتالى دعت إلى حركة إصلاح وتجديد فى الدين، وكان ما تبغيه هذه التيارات – بصورة ضمنية أو صريحة – قطع صلة المسلم بتراثه القديم، فبدلا من الدعوة إلى إعادة إحياء هذا التراث، واستخلاص الدروس المستفادة من هذا التراث العظيم، والوقوف على الكيفية التى أنتج بها أعلام الحضارة الإسلامية هذا التراث، الذى بفضله سادت الحضارة الإسلامية العام، تعاملت هذه التيارات بصورة حدية مع التراث.

الشرع والشريعة والنص والاجتهاد والقياس والرأى والتأويل العقل ، وهى تعتبر من المفاهيم المركزية فى مقولات التيار السلفى ، فالأصل عند السلفية هو الاحتكام إلى النصوص الشرعية فقط – القران والسنة وهدى السلف الصالح، دونما إعطاء وزنا كبيرا للتأويل العقلى.

مفهوم السياسة، استطاع التيار السلفى تقديم صياغة اقرب إلى الشمول لهذا المفهوم ، دافعة هذا المفهوم إلى التمحور فقط حول مصلحة الأمة ومقاصد الشرع الحكيم، وليس فقط ظاهرة السلطة كما حدث فى التناول الحديث – الغربى بالأساس – للمفهوم.

أيضا يبرز فى إطار تناول مفهوم السلفية مفهوم أخر غاية فى الأهمية وهو مفهوم أو مصطلح “الأصولية”، لقد أطلق على الظاهرة الإسلامية العديد من المفاهيم والمسميات منها الأصولية الإسلامية، ظاهرة الإحياء الإسلامي، التجديد  الإسلامي، اليقظة الإسلامية ، الصحوة  الإسلامية ، الإسلام المسلح ، الإسلام المناضل ، الإسلام السياسي ، الحركات الإسلامية ، الحركات الإسلامية المسلحة ، التطرف الإسلامي ، الراديكالية الإسلامية، وقد كان لهذه الفوضى المفاهيمية الكثير من التأثيرات السلبية على دراسة الظاهرة الإسلامية، وكانت أكثر المسميات التي أطلقت على الظاهرة الإسلامية وأعطت مضامين سلبية – مفهوم الأصولية الإسلامية “Islamic Fundamentalism” حيث تم استخدام مفهوم الأصولية الإسلامية في الغرب كبديل عن الإسلام، كمصطلح سهل يمكن استخدامه لمهاجمة من يشاء الغرب مهاجمته ودون تصريح بأنها مهاجمة للإسلام، كما إنه مصطلح هادف إلى إظهار الدين الإسلامي بالتطرف والتشدد، وصار الغرب يطلقها على أى جماعة تدير الانقلابات وتختطف الطائرات وتحتجز الرهائن.

 ولكن ينبغي ملاحظة أن هذه المضامين السابقة ليست مطابقة لحقيقة الدين الإسلامي وتعاليمه وآدابه كما أن هناك خطاً لدى الغرب في فهم معنى الأصولية لأن الأصولية تعنى بالأساس حركة الدعوة  إلى  الأصول (القرآن والسنة) باعتبارهما النصوص التأسيسية الإسلامية التي يجب أن يرتكز عليها المجتمع وتنهض بها الدولة.[24]

كما ان الجذور التاريخية لمفهوم الأصولية تثبت أن هذا المفهوم نشأ في الديانة  المسيحية داخل الولايات المتحدة للإشارة  إلى  جماعة من البشر ترى أن تنسحب من الحياة المدنية، وأن تنعزل عن الظروف الحضارية لتعيش معيشة المسيحيين الأوائل في بساطة وبدائية ومشاعية أى العودة  إلى  أصول المسيحية الأولى، وقد تم نقل هذا المفهوم من البيئة الأمريكية واللغة الإنجليزية على وجه التحديد إلى الفكر الإسلامي واللغة العربية دون تقدير للفارق بين ظروف المسيحية الأولى وأوضاع الإسلام لدى المسلمين الأوائل، فالمسيحيون الأوائل في عهد السيد المسيح ومن بعد واقعة الصلب وحتى سنة 325م كانوا يعيشون في بدائية وبساطة بعيداً عن حضارة الرومان اعتقاداً منهم بأن الحضارة الرومانية هى حضارة وثنية، يتعين عليهم أن يبتعدوا عن دنسها، ولم يسعوا  إلى تجديد الدين أو  إلى  إبراز الشريعة الخاصة بهم ونتيجة لذلك فإنهم لم يعملوا أبداً على تأسيس دولة أو إقامة حضارة أو مقاومة السلطة، أما الإسلام وخاصة في المدينة المنورة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كانت هناك حكومة للدولة الإسلامية وبرز الإسلام كدين ودولة في نفس الوقت وبعد ذلك صارت حضارة عريقة في بغداد …. الخ، وقد عمل المسلمون الأوائل على مقاومة المشركين لا الاستسلام لهم، وبدأوا ينشرون الإسلام في كل مكان وبدأوا في تشكيل الواقع بما يتوافق مع تعاليم الدين وأحكامه وبالتالي فإن إطلاق مفهوم الأصولية بمضامينه التي نشأ بها في المسيحية غير دقيق حين يطلق على الإسلام لأن المعنى والدلالة سوف يكونان مختلفان بكل تأكيد.[25]

سادسا: الرؤية الوسطية للمفهوم (إعادة بناء المفهوم من المنظور الحضارى الإسلامى)

تكمن الرؤية الوسطية لمفهوم السلفية فى موقفها من العقل والاعتماد على وسائل التأويل والقياس كأدوات ووسائل لفهم الدين الصحيح. فلا شك أن المصادر الأولى التى يجب أن نعتمد عليها فى فهم الدين هى القران الكريم والسنة والنبوية، وكان مثل هذا الاعتماد الحصرى على هذه المصادر الأولية عندما كان المجتمع الاسلامى مجتمعا بسيطا فى كل جوانبه مؤسساته وأبنيته ومعاملاته وتفاعلاته، ولكن مع اتجاه هذا المجتمع للتعقيد بداية من عصر الفتوحات الإسلامية وحتى واقعنا المعاصر، الذى يتسم بدرجة عالية من التعقيد الشديد فى كل الجوانب، وما طرأ على الأمة الإسلامية من مساءل جديدة وأحوال لم تكن فى حسبان الرعيل الأول من الصحابة والسلف، هذه المسائل وجب التعامل معها بقواعد ومناهج منضبطة فى فهم وتفسير الشريعة الإسلامية وفق الرؤية المقاصدية لمصلحة الأمة، كأحد المداخل لإصلاح حال الأمة الذى تردى وتدهور كثيرا ، وليكن اقتضائنا بالسلف الصالح فى طريقة تعاطيهم مع المشكلات التى واجهتم فى عصرهم وكيف واجهوها، وليس فقط فى التمسك بمضمون الحلول التى قدموها لها، فهذا المضمون قد لا يصلح لظروف العصر الذى نعيش فيها فى الوقت الحالى. كل هذا دون أن يعنى التفريط والمغالاة فى الاحتكام إلى العقل والتعسف فى القياس والتأويل، فالعقل مهما بلغ من مراتب العلم فهو فى حاجة إلى مرشد ودليل يهديه إلى الصواب ويضمن عدم انحرافه عن مقاصد الشرع الحكيم.


الهوامش

[1] – محمد عمارة ،السلفية ، موسوعة الحضارة العربية الإسلامية (11) ، سوسة ، دار المعارف للطباعة والنشر ، 1994 ، ص: 5

[2] –  مصطفى الشكعة ، إسلام بلا مذاهب ، القاهرة ، الدار المصرية اللبنانية ،  الطبعة 13 ، 2005 ، ص: 493.

[3] – محمد عمارة ، معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام ، القاهرة ، نهضة مصر ، 2004 ، ص:207.

[4] – مجمع اللغة العربية ، المعجم الوسيط ، الطبعة الثالثة ، ص: 460.

[5] – محمد عمارة ،السلفية ، موسوعة الحضارة العربية الإسلامية (11) ، مرجع سبق ذكره ، ص: 6 وما بعدها.

[6] – عيد عباسى ، مرجع سبق ذكره ، ص: 5.

[7] –  المرجع السابق ، ص: 9.

[8] – عيد عباسى ، الدعوة السلفية وموقفها من الحركات الأخرى ، الأسكندرية ، دار الإيمان ، 2002 ، ص: 9.

[9] – محمد عمارة ، مرجع سبق ذكره ، ص ص 12:11.

[10] – محمد عمارة ، مرجع سبق ذكره ، ص: 13.

[11] – لمزيد من التفاصيل عن هذا الأصل الأول للسلفية انظر: عيد عباسى ، مرجع سبق ذكره ، ص: 13 وما بعدها.

[12] – المرجع السابق ، ص: 21

[13] –  المرجع السابق ، ص: 24.

[14] –  المرجع السابق ، ص: 25.

[15] – المرجع السابق ، ص: 26.

[16] –  محمد عمارة ، مرجع سبق ذكره ، ص: 16 وما بعدها.

[17] – لمزيد من التفاصيل عن هذه الأصول وشرحها ، انظر المرجع السابق، ص: 24 وما بعدها.

[18] –  المرجع السابق ، ص ص 33:31 ما بعدها.

[19] –  مصطفى الشكعة ، إسلام بلا مذاهب ، القاهرة ، الدار المصرية اللبنانية ،  الطبعة 13 ، 2005 ، ص: 494.

[20] – عيد عباسى ، مرجع سبق ذكره ، ص:8.

[21] – محمد عمارة ، مرجع سبق ذكره ، ص:32.

[22] –  لمزيد من التفاصيل حول آراء إعلام السلفية فى الثورة وموقفهم منها انظر: المرجع السابق ، ص: 45 وما بعدها.

[23] –  محمد عمارة ،السلفية ، موسوعة الحضارة العربية الإسلامية (11) ، سوسة ، دار المعارف للطباعة والنشر ، 1994 ، ص: 47.

[24]– سيف الدين عبد الفتاح ، مجموعة محاضرات عن الفكر السياسى الإسلامى ألقيت على طلبة برنامج تمهيدى ماجستير ، القاهرة ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، الفصل الدراسى الأول ، العام الجامعى 2007\2008.

[25]– محمد سعيد عشماوي ، الإسلام السياسي ، دار سينا للطباعة ، الطبعة الثانية ، القاهرة ، 1992 ، ص 137 : 145.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s