الثورة المصرية.. لماذا الآن؟

كنت مثل غيري من المصريين الذين رغبوا بشدة في أن تكون مصر دولة قوية داخليا، ديمقراطية عادلة، تحترم حقوق مواطنيها وحرياتهم الأساسية، دولة مسئولة عن توفير العيش الكريم لمواطنيها، فلا تنحاز للأغنياء على حساب المعدمين فيها، دولة تحقق تنميتها الاقتصادية والسياسية، فتتحرر إرادتها السياسية، فتحلق في فضائها الإقليمي مدافعة عن مصالحها الوطنية وأمنها القومي، فتغدو قوة إقليمية مستندة على قاعدة من التأييد الإقليمي يساعدها على مواجهة الأطماع الخارجية في المنطقة، وعلى أن تكون رأس حربة ضد ما يتهدد أمن واستقرار المنطقة، كما كانت في ماضيها القريب، فلا تغدو مجرد مفعول به، تتلاعب بها القوى الكبرى وتدفعها إلى مزيدا من الانفصال عن محيطها، الذي يمثل أولى الركائز التي يقوم عليها الأمن القومي المصري تاريخياً.

خصخصة الدولة المصرية

ولكن كيف السبيل إلى هذه الغايات والأهداف؟ في ظل وجود نخبة ونظام حكم خصخص الدولة لصالح شخص واحد، فأضحت الدولة هو، وهو الدولة، وبالتبعية أضحى بقاء الدولة مرتبط ببقاء هذا الرئيس، وغيابه حتماً سوف يؤدي إلى انهيار مؤسساتها، كيف يتم تصحيح مسار الدولة المصرية؟ وهناك نخبة حاكمة – مستفيدة من بقاء النظام- وضعت من الاستراتيجيات، ووظفت من الأدوات ما يضمن استمرارها، فإلى جانب خصخصة الدولة لصالح الرئيس، وطدت طبقة رجال الأعمال من سيطرتها على مراكز صنع القرار في مصر، حيث تصدرت المشهد السياسي، فأصبحوا أعضاء في البرلمان – بمجلسيه الشعب والشورى – وتبوؤوا مناصب قيادية في الحكومة والحزب الحاكم، ونتج عن هذه الخلطة المتنافرة من صناع السياسة، مجموعة من السياسات الملتبسة داخليا وخارجيا.

وتوطد هذا الدور المشبوه لرجال الأعمال – في صنع السياسات العامة – مع قدوم الوافد الجديد إلى الساحة السياسية في مطلع الألفية – نجل الرئيس جمال مبارك – مسلحاً بفكر وصفه “بالفكر الجديد”، وما هو إلا إعادة إنتاج للطريقة التسلطية التي تدار بها الدولة، ولكن بأدوات وأساليب تتناسب مع متطلبات عصر المعلومات المعولم، ومعلناً عن برنامج للإصلاح الاقتصادي، جوهره تخلي الدولة تماماً عن مسئوليتها تجاه مواطنيها، وعن أي دور لها في إنتاج السلع الإستراتيجية أو إدارة شركات القطاع العام، من خلال برنامج مشوه لخصخصة قطاع الأعمال العام، بمقتضاه تم بيع ما تملكه الدولة من مؤسسات وصناعات إستراتيجية، بعقد صفقات بيع مشبوهة، ثارت حولها الكثير من شبهات ممارسات الفساد والرشوة، ثبت صحة الكثير منها بعد ذلك، ولم يقتصر الأمر على مجرد البيع، بل تجاوزه لتترك الدولة العمال والموظفين في هذه المؤسسات في مواجهة أرباب العمل الجدد، دون ضمانات لحقوق هؤلاء تنص عليها عقود البيع، ودون نقابات مهنية فاعلة تدافع عن هؤلاء ضد استبداد الملاك الجدد، بعد أن أفرغت الدولة هذه النقابات من استقلاليتها، وألحقتها بمؤسسات الدولة من خلال قيادات مرتبطة بمصالح سياسية واقتصادية بنظام الحكم.

 وأكمل جمال مبارك والمحيطون به صورة الرئيس القادم – كما تمنوا – ببرنامج شكلي للإصلاح السياسي، يُظهِر الرجل بمظهر الديمقراطي الليبرالي، الذي سيحول مصر إلى دولة ديمقراطية ليبرالية، هذا الشاب الذي جال ربوع مصر محاربا الفقر والأمية، يتحاور مع الشباب وجها لوجه أو من خلال أدوات عصر المعلومات والفضاء الالكتروني.    

أدركت نخبة الحكم من رجال الأعمال ومثقفي السلطة انه مع تقدم الرئيس مبارك في العمر، كان لابد من خطة جاهزة لاستمرار هذا النظام والقائمين عليه، ومن ثم استمرار استئثارهم بالمزايا والمنافع دون بقية الشعب المصري، فكان سيناريو التوريث هو الحل، حيث يتم الدفع بجمال مبارك إلى واجهة المشهد السياسي، فيكون أميناً عاما لكيان جديد داخل الحزب الحاكم يسمى أمانة السياسات، والتي بدورها أضحت القوة الأساسية في صنع السياسات العامة في مصر، ثم الدفع بمجموعة من التعديلات الدستورية في عامي 2005 و2007، تضمن استمرار طبيعة الحكم التسلطية، حتى لو اختفى الرئيس حسني مبارك من المشهد، عن طريق إدخال إصلاحات ديمقراطية صورية تضفي طبيعة ديمقراطية ليبرالية على النظام، مع الإبقاء على جوهره الاستبدادي، فيكون جمال مبارك هو الرئيس الجديد لمصر، رغم انه لا يمتلك ما يؤهله لشغل هذا المنصب الرفيع لهذه الدولة العظيمة. لذلك تم تشديد الشروط المطلوب توافرها ليكون الشخص مرشحاً لرئاسة الجمهورية، فلا تنطبق إلا على مرشح الحزب الحاكم، وإلغاء كل الضمانات لعملية انتخابية حرة ونزيهة وشفافة، فكان استبدال الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات بلجنة عليا من الشخصيات العامة وبعض الشخصيات القضائية، الأمر الذي يسهل معه السيطرة على مجريات العملية الانتخابية، وتوجيه دفتها نحو ما يحقق مصالح نظام الحكم والنخبة المحيطة به.

المصريون على طريق الثورة

في سياق هذه السيناريوهات التي نسجتها وحددت ملامحها نخبة الحكم في مصر، كان المجتمع المصري يمر بعملية مخاض عسير لتحوّل جذري يعيد الدولة المصرية إلى المسار الصحيح، مخاض لم ينتبه له – أو بالأحرى تجاهله – القائمون على إدارة شئون الدولة المصرية، فعلى مدار السنوات القليلة الماضية، شهد المجتمع المصري عدد من الظواهر الدالة على هذا المخاض، يمكن رصد أهمها على النحو التالي.

أولاً: اندلاع عدد كبير من الإضرابات والاعتصامات الفئوية، كان أشهرها وأوسعها نطاقاً إضراب موظفو الضرائب العقارية، هذه الإضرابات والاعتصامات وان كان ظاهرها المناداة فقط بمطالب فئوية خاصة بالقائمين عليها مثل تحسين الأجور ومكافحة بعض أشكال الفساد الصارخة، إلا أنها – بصورة ضمنية – كانت تعيد المواطن  المصري رويدا رويدا إلى ساحة السياسة التي اعتزلها خاصة منذ ثورة يوليو، حيث تأسست علاقة بين الحاكم والمحكوم، تقوم على مبدأ “قيام الدولة بتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطن، مقابل أن يترك هو إدارة الدولة وشئونها للحاكم فقط والمحيطين به”.

ثانياً: تأسيس عدد من الحركات الاحتجاجية التي ساهمت في طرح العديد من قضايا الشأن العام للنقاش المجتمعي، وطرح رؤى بديلة لتلك التي طرحتها مؤسسات الدولة لهذه القضايا، بالإضافة إلى محاولة هذه الحركات حشد التأييد المجتمعي حول هذه القضايا من خلال التواصل مع فئات المجتمع المرتبطة بها، وتنوعت هذه القضايا ما بين قضايا داخلية وخارجية.

ما يهمنا في هذا المقام تلك القضايا الداخلية، التي تراوحت طبيعتها ما بين سياسية واقتصادية واجتماعية، ومع تراكم خبرة هذه الحركات في العمل العام، رفعت من سقف مطالبها من مجرد إصلاحات يجب إدخالها في قضايا محددة أو مجرد تغييرات جزئية يجب إجراءها في بنية نظام الحكم في مصر إلى المطالبة بتغييرات جذرية، كان أهمها مطلب عدم التمديد للرئيس مبارك لفترات رئاسية أخرى، فكان الشعار الرئيس للحركة المصرية من اجل التغيير (كفاية) – التي ظهرت في صيف 2004 – لا للتمديد .. لا للتوريث. وتلى ظهور حركة كفاية نشؤ عدد من الحركات الشبابية، التي اتخذت من الفضاء الالكتروني ساحة للنقاش والصراع مع النظام الحاكم، مع بعض التجليات لحركة فاعلة على ارض الواقع، فكانت حركة 6 ابريل والدعوة التي أطلقتها للإضراب يوم السادس من ابريل 2008، تضامنا مع إضراب عمال المحلة، واستجاب عدد كبير من المصريين لهذه الدعوة، وقد شجع النجاح النسبي لهذه الدعوة الشباب على الاستمرار برغم كل المضايقات والملاحقات الأمنية للنشطاء السياسيين.

ورغم أن هذه الحركات كانت تعمل منعزلة عن بعضها البعض أو بالحد الأدنى من التنسيق فيما بينها، إلا أنها مع مرور الوقت اكتسبت أبجديات العمل السياسي، ومفردات الحركة الفاعلة في مواجهة أدوات الاستبداد والقمع التي وظّفها النظام الحاكم ضدها، وحدث نوع من التلاقي المقصود أو غير المقصود حول أن المدخل لإصلاح الأحوال في مصر لن يكون إلا بتغييرات جذرية في رأس السلطة، تغيير يؤدي إلى إصلاح الخلل في العلاقة بين الدولة – ممثلة في النظام الحاكم – والأفراد، وإعادة توزيع مصادر القوة في المجتمع، وأولى الخطوات على هذا الطريق هى منع أي محاولة للتجديد للرئيس مبارك، أو تولي نجله السلطة كبداية لتأسيس دولة ديمقراطية.     

ثالثاً: تزامن مع حالة الفاعلية السياسية التي شهدها المجتمع المصري من خلال هذه الحركات الاحتجاجية، استمرار التعاطي الأمني العنيف مع كل ما يخص الداخل المصري، واستمرار سياسة التعذيب التي مارستها الشرطة ضد المواطنين وضد النشطاء السياسيين، وكانت لحظة الانفجار مع قتل الشاب خالد سعيد على يد اثنين من مخبري أمن الدولة، فنشأت صفحة “كلنا خالد سعيد” على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، اجتذبت الآلاف الأعضاء خلال فترة وجيزة، ودعت الصفحة إلى عدد من الوقفات الاحتجاجية المطالبة بوقف التعذيب ومحاكمة المتسببين في قتل خالد سعيد، وقد وجدت هذه الدعوات صدى كبير نسبياً لدى الشباب بصفة خاصة، الذين استجابوا لها وشاركوا فيها.

رابعا: جاء ظهور الدكتور محمد البرادعي على الساحة السياسية المصرية، ودعوته إلى التغيير والإصلاح في مصر، ليكون بمثابة الحدث الكاشف عن خميرة التغيير التي اختمرت في داخل المجتمع المصري، ومثّل الرئيس السابق للوكالة الذرية رصيداً إضافياً لحركة التغيير في مصر، فكان بمثابة بذرة الأمل التي ألقيت على ارض مصر المتعطشة للحرية، فتلقفتها عقول المصريين الحالمة بمصر حرة وديمقراطية، ورعتها تمهيدا لزراعتها في كل ربوع مصر.

خامساً: الانتخابات البرلمانية الأخيرة كشفت بوضوح عزم النظام الحاكم على عدم السماح بأي تغييرات في طريقة الحكم، ووضع اللمسات الأخيرة على سيناريو التوريث، فقد سيطر الحزب الوطني على كل ما يتعلق بالعملية الانتخابية بداية من إداراتها وانتهاء بتحديد مخرجاتها، لتخرج النتيجة النهائية باكتساح مرشحي الحزب لأكثر من 90% من مقاعد مجلس الشعب، من خلال عملية تزوير ممنهجة لإقصاء كل الأعضاء الذين مثلوا صداعا للحزب الحاكم في مجلس الشعب المنتهين، سواء من أعضائه أو من المستقلين أو من أحزاب المعارضة، فضلا عن إقصاء كل مرشحي جماعة الأخوان المسلمين، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تبارت قيادات الحزب ورئيسه مبارك في التباهي بهذه النتيجة، والتأكيد على أنها تعبر عن مدى الشعبية التي يحظى بها الحزب الحاكم في الشارع، هذا التجاهل والتزييف للإرادة الشعبية استفز الشارع المصري، وجعله مستعداً للاستجابة لأول محفز للبدء في عملية التغيير والإصلاح، الأمر الذي ظهر جليا في المشاركة الكبيرة من فئات كثيرة وفي أنحاء متفرقة في مظاهرات الخامس والعشرين من يناير.

باختصار عايش المجتمع المصري خلال العقود الثلاثة من حكم الرئيس مبارك حالة ما اسماه أستاذنا الدكتور سيف الدين عبد الفتاح الدولة المتغولة (المتسلطة) في مقابل غياب الدول المتغلغلة، الدولة المتوغلة هى تلك التي تحتل كل مساحات الفعل والحركة، ولا ترك أي مساحة للحركة الفاعلة لمواطنيها سواء فرادى أو في صورة تجمعات. أما الدول المتغلغلة فهى الدولة التي يشعر بها المواطن في كل مكان يذهب إليه داخلها ، بداية من شوارع نظيفة ومنتظمة الحركة، مرورا بخدمات جيدة تقدم له من تعليم وصحة ووظائف، فضلا عن نظام حكم ديمقراطي يكفل الحقوق والحريات الأساسية، مثل حرية التعبير وحرية التجمع وتكوين الأحزاب، وتوفير البيئة المناسبة لمجتمع مدني قوي، وغيرها من سمات الدولة الحديثة.

وتمكن النظام الحاكم من خلق بنية مجتمعية حاضنة للتسلط ومتقبلة للاستبداد، من خلال سلب أي أمل في التغيير والإصلاح لدى المواطنين، وتأميم كل أدوات الحركة والفعل والتأثير من المواطن لصالح الدولة، فأصبح المواطن مجرد مفعول به من جانب الدولة، عليه أن يتقبل سياساتها وإجراءاتها صاغرا دون مناقشة أو حتى أي مساحة للاختلاف، فكان لا بد من التحرك لتغيير مكونات وأطراف معادلة الحكم التسلطية هذه.     

ولكن واجه الشارع المصري العديد من الأسئلة التي حاول أن يجد لها إجابات، أسئلة من قبيل من يبدأ بالفعل الهادف إلى التغيير والإصلاح؟ هل يأتي هذا الفعل بقرار فوقي من النخبة الحاكمة؟ أم يأتي بمبادرة قاعدية من المجتمع من خلال حركة فاعلة تحشد جموع المواطنين خلف عملية الإصلاح؟ أم ننتظر لسيناريو المشيئة الإلهية فيختفي الرئيس إما بالمرض أو بالموت، فيكون اختفائه بداية التصحيح وتعديل المسار، أم يكون الحل في ظهور المخلص والزعيم الملهم ليقود الجماهير والبلاد نحو التغيير؟

To read the English version of this post which has been published on the web site of Swedish Institute of International Affairs click here

 

2 responses to “الثورة المصرية.. لماذا الآن؟

  1. تنبيه: The Egyptian Revolution..Why now « أنا الشعب

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s