فوبيا السلفيين تجتاح مصر

يواجه المجتمع المصري بعد ثورة يناير بواقع جديد لم يعهده منذ فترة طويلة، واهم ما يميز هذا الواقع حالة الحراك التي تصل في أحيان كثيرة إلى درجة عالية من السيولة في المواقف والسلوك لمختلف مكونات المشهد في مصر بعد الثورة، سواء من المواطنين بذواتهم أو القوى والتيارات السياسية القديمة أو التي بزغ نجمها بعد الثورة، مع انفتاح المجال العام أمام الجميع، الأمر الذي استتبعه ظهور فواعل جديدة على الساحة السياسية المصرية كانت ممنوعة من الظهور، أو كانت رافضة لهذا الظهور السياسي.
في هذا السياق الجديد شهد المجتمع المصري حضورًا بارزاً لتيارات السلفية الدينية، هذه التيارات التي كانت في ظل النظام السابق ترفض كل أشكال العمل السياسي، بل إن بعض جماعاتها كانت ترفض السياسة جملة وتفصيلا، وتعتبر كل أشكال العمل السياسي، مثل الانتخابات والأحزاب، حرام شرعا لا يجوز الانخراط فيها.
ولكن في الفترة الأخيرة فوجئ المجتمع المصري بظهور قوي للعديد من جماعات التيار السلفي، هذا الظهور كان مقلق للكثير من أطياف الشعب المصري، خاصة الأقباط وأنصار التيارات الليبرالية والعلمانية ، ولم يكن القلق نابعا من حضور هذه الجماعات في المشهد السياسي بقوة، وإنما بسبب المواقف المتطرفة التي اتخذها بعض رموز التيار السلفي من عدد من القضايا التي شغلت الرأي العام في مصر بعض الثورة، وإثارتهم للعديد من القضايا الهامشية التي رآها المصريون تهديدا لمستقبل بناء الدولة في مصر، من خلال إضعاف العلاقات الإسلامية القبطية، وإثارة نزاعات طائفية مصر ليست في حاجة لها، خاصة في مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد الثورة، ومعالجة مواطن الضعف وحالة التجريف السياسي والاجتماعي والثقافي التي تعاني منها بنية المجتمع المصري نتيجة سياسات النظام السابق.
وقد ساهمت مجموعة من المواقف والأحداث في تغذية حالة القلق هذه، وإثارة إشكالية المدني في مقابل الديني بالتبعية، فهناك من ناحية أولى: خطبة الجمعة التي ألقاها الشيخ يوسف القرضاوي في ميدان التحرير، هذه الخطبة جعلت البعض يلمح بأن دولة دينية على غرار التجربة الإيرانية يجرى الإعداد لتأسيسها في مصر، الأمر الذي يعني ضمنا – كما عبر البعض – عن استبداد الأغلبية المسلمة بالأقلية – مع اعتراض على استخدام مفهوم الاقلية في هذا السياق – المسيحية. ثانيا: حادثة هدم كنيسة قرية صول في حلوان، على يد مجموعة من المسلمين، وما تبعه من تصاعد وتيرة النغمة الطائفية التي اختفت تماما أيام المرابضة في ميادين الثورة.
ثالثا: الموقف الذي اتخذه التيار السلفي من التعديلات الدستورية، واعتبار الموافقة عليها واجب شرعي، لان إقرارها يعني ضمنا الحفاظ على المادة الثانية من الدستور، التي تؤكد على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، وان الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسي للتشريع، بل الأخطر من ذلك اتهامهم لكل من أعلن رفضه للتعديلات بالعلمانية – وأحيانا بالكفر والإلحاد – والرغبة في طمس الهوية الإسلامية للدولة المصرية، ثم جاءت الخطبة – أو ما سمي إعلاميا بغزوة الصناديق – التي ألقاها احد رموز التيار السلفي – محمد حسين يعقوب – وأعلن فيها أن ما تم هو عزوة مباركة، سماها غزوة الصناديق، وان الشعب اختار الدين ليكون هو أساس الحكم، وان من لا يعجبه هذا الأمر فليهاجر إلى الخارج ويترك مصر.
رابعا: المعالجة الإعلامية السيئة لاعتراض أهل محافظة قنا على المحافظ الجديد، الذي عينته الحكومة، حيث قامت الكثير من وسائل الإعلام بمعالجة مظاهرات مواطني قنا بناء على اعتبارات طائفية بحته، فصورت هذا الاعتراض على انه رفض من جانب المسلمين في قنا على تعيين محافظ مسيحي لمحافظاتهم، رغم أن هذه السبب لم يكن سوى سبب هامشي، دفعت به قلة إلى صدارة المشهد في محافظة قنا.
وأخيرا: جاء إصرار التيار السلفي على إثارة قضية كامليا شحاته – زوجة احد الكهنة المسيحيين- التي يدّعَون أن الكنيسة احتجزتها، بعد أن أعلنت إسلامها كما يقول بعضهم، وعلى نفس الخلفية ثارت واحدة من اشد حوادث العنف الطائفي بين المسلمين والمسحيين بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير في إمبابة بمحافظة الجيزة، بعض أن انتشرت شائعة بان الكنيسة تحتجز فتاة أعلنت إسلامها وتزوجت من احد المسلمين. على اثر هذه الشائعة اتجه العديد من مسلمي المنطقة إلى الكنيسة وإحراقها، واندلعت مصادمات عنيفة بين المسلمين والأقباط، قتل خلالها 12 شخصا وإصابة نحو 232 مصابا من الجانبين.
تضافرت هذه الحوادث مع بعضها البعض لتخلق مناخا من عدم الاستقرار والقلق على المستقبل، والخوف من أن تصبح النزعة الطائفية هي المحرك للأحداث في مصر في الفترة المقبلة، مما يدفع البلاد إلى نفق مظلم هذا من ناحية أولى. كما ساهمت هذه الأحداث في خلق حالة استقطابية خطيرة في المجتمع، توظف فيها المعتقدات الدينية بصورة شديدة السلبية، ووجد المجتمع المصري نفسه مواجه بحالة من الفرقة والتشتت والانقسام، خاصة الإسلامي-المسيحي من ناحية ثانية.
يتساءل الجميع الآن في مصر هل لنا أن نخاف من الرؤى المتطرفة التي طرحتها بعض جماعات التيار السلفي؟ هل سلوك بعض رموز هذا التيار والمنتمين إليه من القضايا والأحداث التي شهدتها مصر بعد الثورة سوف يستمر بما يهدد مستقبل الدولة المصرية؟ هل يمكن لهذه التيارات – فعلا – أن تختطف الثورة الشعبية المصرية لصالحها؟ مستغلة انفتاح المجال العام في مصر بعد الثورة لتفرض نفسها بالقوة، وتستبد بالتيارات الأخرى فلا تسمح لها بالتعبير عن نفسها؟
أعتقد أننا يجب أن ننظر إلى هذا الظهور الملفت للتيارات السلفية في المجال العام نظرة أخرى، في سياق حقيقتين، الأولى هى أن التيار السلفي ليس كتلة واحدة متجانسة، وإنما جماعات مختلفة تطرح كل منها رؤية وقراءة للدين، مختلفة عن تلك التي تطرحها الجماعات الأخرى، أما الحقيقة الثانية متمثلة في أن كل المجتمعات البشرية توجد بها رؤى متطرفة، ولكنها تعيش على الهامش، ولا تمثل التيار الرئيس في المجتمع.
وهذا ينقلنا إلى ما اعتقد انه أمر ايجابي فيما يتعلق بخروج جماعات التيار السلفي إلى المجال العام، فنحن الآن أمام رؤى وأفكار مطروحة في العلن، بعد أن كانت تٌطرَح وتُنَاقش في الخفاء وبين أصحابها فقط، ولا يعلم عنها المجتمع تفاصيل كثيرة، أما الآن فيعلن عنها أصحابها دون خوف، وهذا الإعلان يقضي ضمنا بإمكانية وضرورة مناقشة هذه الأفكار، ونقد وتفنيد الحجج القائمة عليها، والمجتمع لن يقبل سوى الرؤية الوسطية التي يتسم بها الإسلام في مصر تاريخيا، أما الرؤى المتطرفة فلن تصمد كثيرا، وسيكون أمام أصحاب هذا الرؤى احد طريقين، أن يتم ترشيدها لتتوافق مع صالح المجتمع العام، عن طريق التحول من حديث المبادئ العامة من قبيل “الإسلام هو الحل” أو “الحكم بالشريعة”، إلى مستوى السياسات العامة والأدوات، في صورة برامج انتخابية يختار من بينها الناخبين، وتوضح كيفية التنفيذ على ارض الواقع، أما الطريق الأخر هو أن هذه الآراء تلقائيا سوف يتم عزلها مجتمعياً، ولن يكون لها من الأنصار الكثير.
ويمكن تلمس مؤشرات هذا الترشيد في انتقاد بعض من رموز التيار السلفي ما يجري حاليا من حوادث فتنة طائفية، ورفض السلوك العنيف وتبرئها منها، وقبل ذلك تراجع صاحب خطبة غزوة الصناديق عن ما طرحه في خطبته، واعتبره من باب المزاح وعدم الفهم الصحيح لما قاله، بالإضافة إلى اتجاه البعض إلى تأسيس أحزاب سياسية، وما يستتبع ذلك من استحقاقات عليها الوفاء بها أمام الناخبين.
وهذا يدفعني إلى القول بأن الخوف من التيارات الإسلامية مبالغ فيه إلى حد كبير، وتقف وراءه تيارات تمارس نفس الممارسات الاقصائية التي اتبعها النظام السابق، هذه التيارات لا تريد أي دور للتيارات ذات المرجعية الإسلامية في إدارة الشأن العام في مصر، وهى بذلك تتجاهل معطيات الواقع المصري، الذي يشير إلى أن الدين – بصفة عامة وليس الإسلام فقط – هو مكون أصيل في الثقافة المصرية، وأن أي محاولة لاستبعاد أي دور له من الحياة العامة سوف تأتي بنتائج عكسية، حيث ستسمح هذه المحاولات الاقصائية لبعض التيارات التي تقدم قراءة متطرفة لنصوص الدين بان تجتذب مزيداً من الأنصار، تحت ذريعة أن العلمانيين الملحدين يريدوا تقويض منظومة القيم المحافظة في المجتمع، وخطورة مثل هذا الأمر أنها تسد الطريق أمام أي قراءة وسطية معتدلة للدين، ولدوره في السياسة وفي الشأن العام، مثل هذه القراءة لن تجد لها من الأنصار ما يجعلها تستمر وتسود.
ومن ثم فإن الحل ليس في استبعاد الدين من الشأن العام، لان هذا الاستبعاد لن يقبله المجتمع المصري، وإنما في التوظيف الجيد للقيم والمثل التي تؤكد عليها كل الأديان، وتجاوز مساحات الصراع المتوهمة بين الرؤى المطروحة، فالمطلوب التخلي عن هذا المستوى البسيط في التفكير، فإما أن نقبل الأمر كله بايجابياته وسلبياته أو نرفضه كله، لان هناك مستوى مركب من التفكير يحاول التوفيق بين المتناقضات، والبحث عن مساحات المشترك بين الرؤى المختلفة، للوصول إلى رؤية توافقية مثلى للمجتمع والدولة، وهو ما تحتاجه مصر الآن.
نشر هذا المقال بـ جريدة مصر

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s