جهل نتصوره جهلاً افضل من علم نتخيله علماً

بينما كنت انتقل بين اجزاء ملف الثورة المصرية الذي احتفظ به لفتت نظري صورة رأـيتها كثيرا من قبل في مصر وفي ميدان التحرير ايام الثورة، رجل مسيحي بسيط شايل الصليب ومسلم بسيط شايل المصحف، كتفهم في كتف بعض، في المقابل قفز إلى ذهني صورة كل شيخ يدعي علماً بالدين الاسلامي وكل قسيساً يدعي علما بالدين المسيحي وهم يؤججون الفرقة والنزاع والصراع ليس فقط بين الدينين، ولكن أيضا بين اتباع كل دين، تساءلت: لماذا يكون العلم الذي يدّعي هؤلاء الاشخاص– ونتصورهم نحن البسطاء كذلك – المعرفة به وبأصوله وبتفسير النصوص السماوية يكون هو السبب في الخلاف المحتدم والصراع الذي يتحول احيانا الى صراع مادي عنيف؟

اعتقد والله اعلم انه سبحانه وتعالى خلق الكون كله وحدة واحدة، لا يمكن لأي منا ان يفهم حقيقته الا اذا نظر الي هذه المنظومة الكونية في كليتها، نظرة كليه بعيدة عن الوقوف عند المظهر الخارجي لتلك المنظومة، نظرة تنفذ الى عمق هذا الكون، وتصل عن طريقها وبها إلى فهم جوهر هذه المنظومة،  وحقيقة شبكة العلاقات والتفاعلات بين اجزائها المختلفة، لتكتشف في النهاية انه لا يمكن لجزء من هذه الشبكة ان يعمل بصورة جيدة الا اذا كانت صلته موصولة بالأجزاء الاخرى، اما اذا انفصمت هذه الصلة فالخلل يحدث لا محالة.

ولكن العلم الحديث والطريقة التي يتم بها تلقيننا المعرفة عن العالم والكون من حولنا تقوم على فصم هذه العلاقات – التي تعتبر جزء من كينونة ووجود هذه الشبكة من العلاقات – القائمة بين الأجزاء المختلفة المكونة لمنظومة الكون الربانية، والتعامل معها باعتبارها وحدات منفصلة يجب دراستها بمعزل عن بعضها البعض، بحجة اننا لن نكون قادرين على الالمام بالظواهر في صورها الكلية وارتباطات هذه الظواهر مع بعضها البعض.

خطورة هذه الطريقة في النظر إلى العالم والكون في انها تصل بالإنسان إلى رؤية مشوهة للعالم والكون ولمكانة الانسان في هذه العالم، ولعلاقاته مع اقرانه ومع بقية اجزاء المنظومة الكونية التي خلقها الله سبحانه وتعالي، وبالتبعية الاعتماد على آليات وادوات واستراتيجيات تزيد من مساحات الصراع والاختلاف بين البشر، حدوث ذلك يعتبر مؤشراً على حدوث خلل في جزء معين من اجزاء هذه المنظومة، الأمر الذي يستتبعه وقوع خلل في بقية اجزاء المنظومة، لأنه تم العبث بكليتها وشموليتها.

واذا عدنا إلى صورة هذين البسيطين اللذين وقفا كتفا بكتف، غير مباليين بتفسيرات فارغة المضمون منقطعة الصلة بكلية ووحدة العالم والكون الذي نعيش فيه، نجد انه احيانا تكون الفطرة السليمة وما نتصوره جهلاً افضل كثيراً من علم تصور صاحبه انه وصل إلى نهايته، وانه امتلك بهذا العلم الحقيقة المطلقة، فالفطرة البشرية السليمة تقوم على الاعتراف بهذه الحقيقة الكلية لمنظومة الكون والعالم من حولنا.

One response to “جهل نتصوره جهلاً افضل من علم نتخيله علماً

  1. لذلكم لن تجد عالم عربي او اسلامي او علي مذار سنوات ازدهار الحضاره الاسلاميه بارعا في علم او فن واحد او اثنين حتي, بل ستجده عالما و بارعا في طب و ادب و هندسه وفقه وفي كل علم هو من هو

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s