دانيال كيرتزر يتحدث عن الثورة المصرية والولايات المتحدة الامريكية

نيويورك – محمد الجوهري

Daniel Kurtzer

في يوم الجمعة 19 أكتوبراستضافت جامعة نيويورك استاذ العلوم السياسية في جامعة برنستون السفير دانيال كيرتزر، وتاتي اهمية كيرتزر من كونه قريب من دوائر صنع السياسة الامريكية في واشنطن، حيث قضي حوالي 29 عاما من حياته العملية في الشرق الاوسط، شغل خلالها سفير الولايات المتحدة في اسرائيل ومصر، وقد استعرض السفير الامريكي في هذه المحاضرة رؤيته للثورة المصرية وما تمثلها الثورة من تحديات بالنسبة للسياسة الامريكية في الشرق الاوسط. بداية اكد كيرتزر ان متابعة ما يحدث في مصر مهم للغاية ليس فقط من منظور دراسة الثورات، ولكن ايضا من منظور العلاقات السياسية والدبلوماسية، وماذا تعني هذه التطورات بالنسبة للشرق الاوسط والمصالح الامريكية؟ والاهم ماذا تعني هذا التطورات بالنسبة لمصر؟

ثورة ام انتفاضة

وتحدث كيرتزر خلال المحاضرة عن منظوره وتقييمه للثورة المصرية مؤكد على ان الثورة المصرية مرت – ولم تزل – بعدد من المراحل. في مرحلتها الاولي لم تكن ثورة على الاطلاق، فالأعداد الكبيرة التي خرجت الي التحرير تطالب بإسقاط نظام مبارك، وظهور مؤسسة الجيش باعتبارها الحَكَم السياسي في التطورات الجارية آنذاك نجحت خلال ثمانية عشر يوما في القضاء على راس النظام الحاكم ولكن النظام نفسه لم يسقط، حيث حاول المجلس العسكري الذي استسلم السلطة بعد رحيل مبارك الحفاظ على النظام السياسي كما هو، مع اجراء بعض التغيرات الشكلية التي لم تمس جوهر نظام الحكم في البلاد.

اما المرحلة الثانية فكانت التحول الى دسترة الحياة السياسية مباشرة عقب سقوط راس النظام، فعلى خلاف غالبية الثورة التي عادة ما تمر بفترة من الصراع حول السلطة، تشهد خلالها مجموعة من التفاعلات والتجاذبات بين القوى المؤيدة للثورة والقوى المضادة لها، الا انه بعد اسابيع قليلة من رحيل مبارك كان التركيز على تعديل الدستور القائم من اجل اجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة. جزء من هذا متوقعا لأنه بعد عقود طويلة من التسلط والاستبداد والفساد والتزوير الممنهج للانتخابات، كان بديهيا ان يتم التفكير في هذا الامر، فقد وكانت احد الاسباب المهمة لقيام هذه الثورة هي عمليات التزوير واسعة النطاق التي شابت الانتخابات التشريعية في نوفمبر 2010، لذلك فان التحول مباشرة الى الدسترة سريعا عقب رحيل مبارك يبدو مفهوما لأنه يعالج احد الاسباب التي على اساسها قامت هذه الانتفاضة.

المؤسسة العسكرية والبحث عن الدور سياسي

وفي اطار هذه المرحلة انتقل كيرتزر الحديث عن المؤسسة العسكرية، حي اكد  ان احد في بدايات ربيع 2011 لم يكن يتوقع ماذا يمكن ان يحدث، لأنه في هذا الوقت كان سهلا جدا ان يلاحظ المتابع ان المؤسسة العسكرية بدأت تمتلك بعض التأثير ان لم يكن سلطة حقيقة فيما يتعلق بإدارة شئون البلاد، واشار كيرتزر الى كتاب لستيفن كوك ذكر فيه الى ان المؤسسة العسكرية المصرية تسعى لان يكون لها تأثير على العملية السياسية في مصر، ولكن دون ان تكون في مقاعد الحكم، وذلك من خلال وجود رئيس في سدة الحكم تكون طريقة حكمه ومصالحة متوافقة مع المؤسسة العسكرية، الامر الذي يجعلها تقف ورائه وتدعمه من اجل الحفاظ على مصالحها، لذلك حاولت المؤسسة العسكرية خلال هذه المرحلة ان تجد مرشحا يحافظ على هذه المصالح لا سيما مرشحا ذات خلفية عسكرية، وكان هذا وضحا في عدة مؤشرات، اهمها دعم تعيين عمر سليمان نائبا للرئيس، فقد حاولت المؤسسة العسكرية في هذه المرحلة القيام بعدد من الامور، اهمها كيفية التخلص من اثار الانتخابات التشريعية التي جرت في نوفمبر 2010، ايضا ايجاد مرشح يحفاظ على مصالحها.

مبارك طنطاوي ايد واحدة

وفي حديثه عن تفسير للأخطاء التي ارتكبتها المؤسسة العسكرية خلال الفترة الانتقالية، اكد كيرتزر على ان المؤسسة العسكرية المصرية لم تكن مسيسة على الاطلاق، فالعسكر كانوا فقط يعرفون كيفية القيام بالمهام التي يجب ان تقوم بها المؤسسة العسكرية، والتي ليس من بينها ادارة الشأن السياسي، فأول مؤتمر صفحي للمتحدث باسم المجلس العسكري كان مشابها لتلك المؤتمرات التي كان يعقدها صدام حسين، حيث ارتدى بدلته العسكرية وكان يقرأ من ورقة مكتوبه امامه، وبدا وكأنه لا يدرى اي شيء عن ابسط قواعد التواصل.

واعتبر كيرتزر ان من افدح الاخطاء التي ارتكبها المجلس العسكري هو محاولته في نوفمبر 2011 تقليص سلطات الرئيس، فيما يتعلق بالسيادة على القوات المسلحة وميزانيتها وقرار اعلان الحرب، حيث حاول اعضاء المجلس ان يجعلوا قرار اعلان الحرب في يد المجلس العسكري، الامر الذي يمكن اعتباره بمثابة انقلاب، فمعنى ان يكون قرار الحرب في يد المجلس العسكري ان المؤسسة العسكرية هى التي بيدها تعريف المصالح القومية والامن القومي للبلاد، وهى القادرة على حشد وتعبئة موارد البلاد من اجل اعلان الحرب، الامر الهام – من وجهة نظر كيرتزر – انه خلال عام 2011 وبدايات 2012 وصولا الى يونيو 2012 ان المجلس العسكري بدا وانه اعتاد على الحكم، وحتى وان لم يكن يعرف كيف يدير شئون البلاد سياسيا.

الرئيس والعسكر: صراع حول السلطة

ثم ينتقل كيرتزر الى المرحلة الثالثة التي تمر بها الاوضاع في مصر الان، فهو يرى انه منذ منتصف يونيو وحتى الان مصر تتحول الى شيء ما، قد ينتهى الى قيام ديمقراطية في البلاد، ويستدل على ذلك بان العسكر قد واجهوا معضلة اختيار الرئيس، فقد اسفرت نتائج الانتخابات عن فارق ضئيل جدا غير معتاد بين محمد مرسي واحمد شفيق، وكانت هناك فترة من عدم الوضوح بالنسبة للعسكر، فهل سيعلنوا محمد مرسي رئيسا للبلاد اما سيعلنون  فوز منافسه احد شفيق ذو الخلفية العسكرية، والذي يعتبر بالنسبة لهم النموذج الذي يرغبون في رؤيته يحكم البلاد، ولكنهم انتهوا الى اختيار اعلان فوز محمد مرسي رئيسا للبلاد آملين ان يحافظ الرئيس الجديد على وضعيتهم الخاصة.

مرسي وطنطاوي: خيانة مشروعة

الا ان مرسي خالف توقعاتهم وآملاهم، فخلال ايامه الاولى حاول الرئيس تثبيت سلطته في مواجهة العسكر، حيث رفض فكرة ان ينفرد العسكر بشئون المؤسسة العسكرية دون الرئيس، وخلال اسابيع اقال وزير الدفاع ورئيس الاركان وعدد من كبار الضباط في الجيش، وقد قام مرسي بهذا الامر في ظل ادراكه ان عدد كبير من الرتب الوسطى في الجيش غير راضية عن اداء القيادات العسكرية، فوزير الدفاع محمد طنطاوي في منصبه منذ 20 عام وكذلك الحال بالنسبة لرئيس الاركان سامي عنان، وقد منعوا طوال فترة خدمتهم تصعيد جيل كامل من الضباط الى مستويات قيادية اعلى، ولذلك فانه لأسباب شخصية وعملية كان هناك شعور لدى عدد كبير من الضباط في الجيش بان هذه القيادات يجب ان ترحل، وكان ادراك مرسي لهذا الامر دليلا على ذكائه وكان من شأن الاجراءات التي اتخذها ان تحقق له هدفين، الاول تصعيد جيل جديد من القيادات في المؤسسة العسكرية تدين له بالولاء، الامر الثاني تأكيد سلطات الرئيس كقائد اعلى للقوات المسلحة.

مرسي: توقعات كبيرة وتحديات اكبر

كل هذه الامور رفعت من سقف التوقعات بالنسبة للرئيس، ولكن ليس بهذه السرعة، فهناك الكثير من التحديات التي يجب على الرئيس التعامل معها، وما يزيد الامور تعقيداً ان هذه التحديات متزامنة مع مرور البلاد بمرحلة انتقالية، فهناك صراع كبير حول عملية صياغة الدستور، هناك مخاوف من ان هذا الدستور سوف يؤسس لحكم غير ليبرالي في مصر، خاصة تلك المواد المتعلقة بحقوق المرأة والمساواة المحكومة بمبادئ الشريعة الاسلامية،  والامر بالنسبة لكيرتزر ليس متعلق بان مبادى الاسلام في حد ذاتها سيئة ولكن عندما يكون هناك صراع بين هذه المبادئ وتوجهات مجتمعية تسعى لتأسيس مبادئ اخرى، فان هناك نقاش وصراع حاد يجب ان يؤخذ في الحسبان، ومثل هذه التحديات تؤسس لشكل وماهية المرحلة او المراحل القادمة في مسيرة عملية الانتقال في مصر.

الثورة المصرية ومصالح امريكا في المنطقة

ماذا تعني هذه التطورات بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة؟ يؤكد كيرتزر ان الولايات المتحدة ليست

أوباما متحدثاًعن الثورة المصرية

فقط لها مصلحة فيما يتعلق بالتنظيم الداخلي في المجتمع المصري، ولكن ايضا الولايات المتحدة تريد ان ترى ديمقراطية حقيقة في مصر الان، خاصة بعد عقود من تأكيد الولايات المتحدة على مصلحتها في مصر مستقرة وقوية بصرف النظر عن وجود ديمقراطية من عدمه، وذلك من اجل تحقيق ثلاثة اهداف حيوية للمصالح القومية الامريكية، اولها استمرار اتفاقية السلام بين مصر واسرائيل، باعتبارها حجر الزاوية لنجاح كل الجهود المبذولة لتحقيق السلام في اماكن اخرى في المنطقة، فمعادلة العلاقات العربية الاسرائيلية تغيرت تماماً عندما خرجت مصر من معادلة الصراع العربي الاسرائيل، ولذلك كانت احد اهداف الاستراتيجية الامريكية في المنطقة منذ عام 1979 هو ضمان استمرا معاهدة السلام بين مصر واسرائيل، ولذلك فان القلق من ان تؤدي احداث عام 2011 الى التأثير على استمرارية معاهدة السلام كبيراً جداً في دوائر صنع السياسة الامريكية.

خطاب اعتماد السفير المصري في اسرائيل

اما ثاني الاهداف التي حددتها الولايات المتحدة منذ نهاية عقد السبعينيات في القرن الماضي كانت  تحويل القوات المسلحة المصرية من الاعتماد على اساليب التدريب والاسلحة السوفيتية الى نظيراتها في الولايات المتحدة والغرب، وهو هدف من اجله استثمرت الولايات المتحدة مليارات الدولارات من اجل تحقيقه، وقد حقق نجاحا نسبيا، فالقوات المسلحة المصرية الان اكثر اعتمادا على الولايات المتحدة الامريكية في اساليب التدريب ومصادر التسليح، وقد شهدت حرب الخليج الاولي تفاهما كبير بين العسكريين المصريين والعسكريين الامريكيين، فخلال عشر سنوات فقط استطاعت استراتيجية الولايات المتحدة ان تؤتي بعض الثمار في هذه الحرب.

والان وبعد عشرين عاما من هذه الحرب فانه اذا اتت حكومة مصرية جديدة معارضة لتوجهات الولايات المتحدة، فان هذا سيكون له تداعيات سلبية لأسباب عدة، اهمها ان كل المعدات العسكرية التي تنقلها الولايات المتحدة الى ارض المعارك التي يشارك فيها الجيش الامريكي الان في العراق وافغانستان تمر عبر قناة السويس او من خلال المجال الجوي المصري، مثل هذا التعاون كان ثمرة جهود الولايات المتحدة في تغيير اساليب قتال الجيش المصري الامر الذى انعكس في صورة مزايا استراتيجية للولايات المتحدة الامريكية.

اما ثالت هذه الامور فيتعلق بالوضع الاقتصادي للبلاد، ففي اعقاب الحرب وبعد عقد اتفاقية السلام بين مصر واسرائيل، كان الوضع الاقتصادي في مصر سيئا لغاية، لم يكن هناك اي استثمارات اجنبية، البنية التحتية كانت شبه معدومة، الا ان الشراكة بين الولايات المتحدة ومصر خلال العقود التالية ساعدت الاقتصاد المصري كثيرا، فالمساعدات الامريكية لمصر خلال هذه العقود قد ساعدت مصر على القيام بما كانت الولايات المتحدة تتوقع ان تقوم م به مصر بالنسبة للاقتصاد والمجتمع، اما الان بعد الثورة فهناك تساؤلات كبير حول التوجه الذي ستسير به مصر خلال الفترة القادمة.

مرسي تحت مجهر الادارة الامريكية

وفي ظل هذه الاهداف يشير كيرتزر الى ان واشنطن تراقب ما يحدث في مصر عن كثب، خاصة ما يتعلق بمعاهدة السلام، فبالرغم من ان هناك اشارات سلبية صادرة من مصر حول هذا الامر، وهناك اصوات تنادي بضرورة مراجعة المعاهدة، الا ان هناك خطوات ايجابية اتخذها الرئيس مرسي، من اهمها ارسال سفير مصري الى اسرائيل، وارسال خطاب مطمئن للرئيس الاسرائيل، يتحدث فيه عن الصداقة وكل هذه الاشياء الجميلة، ولا شك ان الكلمات تؤخذ في الاعتبار ولها مدلول. وهذه اشارات ايجابية من الرئيس المصري الا انه امام معضلة حقيقة وهو كيف يحافظ على هذه الاشارات الجيدة تجاه اسرائيل، وفي نفس الوقت  يأخذ بعين الاعتبار المشاعر المعادية لإسرائيل في المجتمع المصري.

وفي النهاية أكد كيرتزر ان الولايات المتحدة ستظل تتابع هذه التطورات المرتبطة بعملية السلام، ايضا ستتابع توجهات المؤسسة العسكرية المصرية عن قرب.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s