ًترامب لم يعد أراجوزاً مسليا!

ما فيش خلاف إن المرشح الجمهوري دونالد ترامب هو مجنون عنصري وجاهل بكل المقاييس الإنسانية والسياسية، وكان اخر ما أعلنه هو انه سيمنع كل المسلمين من دخول الولايات المتحدة، حتى ترى الأجهزة المعنية ما يمكن عمله لحماية أمريكا من خطر هذه المجموعات، هذه التصريحات ليست جديدة على الخط العنصري الذي اتخذه ترامب منذ ظهوره على الساحة السياسية. ولكن يظل السؤال الأهم عن موقف المؤيدين له من سياساته التي يعتبرها الكثير لا تتوافق مع الدستور الأمريكي والقيم الأمريكية، ولماذا يستمر هؤلاء المؤيدين في تأييده؟ وهل يمكن أن يحقق ترامب ما يخاف منه الكثير من الأمريكيين وقيادات الحزب الجمهوري، وهو أن يكون مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية المقرر عقدها في نوفمبر 2016؟

في الفيديو ده شريحة من الكتلة الصلبة المؤيدة لترامب، وهنا عدة ملاحظات على الكلام اللي بيقوله المؤيدون دول:

  • أعمار مختلفة كبار في السن وشباب ومتوسطي العمر، وواضح انهم من خلفيات اجتماعية مختلفة، وبعضهم من منحدر من عائلات مهاجرة، يعني نقدر نقول ان الكتلة المؤيدة لترامب فيها تنوع من ناحية السن والخلفية الاجتماعية واكيد الاقتصادية كمان، بس بيجمعهم خط فكري واحد، اهم سماته انه عنصري.
  • المجموعة دي بتعاني حالة شيزوفرينيا للأسف، سببها الجنون والخطاب اللي بيروجه ترامب في سياق الهجمات اللي حصلت مؤخرا في باريس وكاليفورنيا. حالة الشيزوفرينيا بتبان في الأول في هجوم المجموعة دي على المسلمين، وتأييد سياسة ترامب بمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، وبعدين البعض منهم بيحكي عن تجارب حياتية وشخصية إيجابية مع مسلمين.
  • الناس دي أسرى الصور النمطية اللي خلقتها الميديا عن المسلمين وغيرها من وسائل التواصل الجماهيري، الست الكبارة بتقولك انا خايفة الناس دي تجي تسيطر على البلد، ويطبقوا الشريعة وانا مش ممكن اسمح بحاجة زي كده، شريعة ايه يا حاجة الله يسترك.
  • الملاحظة الأهم بقى ان سردية الخوف والأمن بتثبت كل يوم انها الأنجع وأفضل وسيلة في ايد أي سلطة تنفيذية – زي ما البرنس جورجيو أجامبين اكد في اطروحاته المختلفة – في جعل الناس يبقبلوا العيش في حالة استثناء state of exception، مش بس كده السردية دي ممكن تخلي الناس يطبّعوا مع حالة الاستثناء، ويتعايشوا معاها عادي جدا، ويقبلوا أي سياسة او انتهاك لحريتهم وحرية الأخرين، وللمرة المليون بيثبت الله يجحمه توماس هوبز صدق كلامه عن غريزة البقاء، باعتبارها احد اهم محركات السلوك البشري، افراد المجتمع بيقبلوا طواعية تحت وهم الخوف من فناء الجنس البشري انهم يتنازلوا عن كل حقوقهم وحريتهم للسيد (رأس السلطة) من اجل الحفاظ على بقائهم.
  • الحاقا بالملاحظة السابقة في حال توافر الشروط الموضوعية لحالة الاستثناء، بيبقى سهل جدا على السلطة التنفيذية انها تخلق الظروف الشخصية، وتحصل على التفويض – الكلي تقريبا – بالتصرف بحرية ودون قيود في حريات المواطنين وحقوقهم، وكله تحت وهم حفظ الوجود (فتلاقيها بتتكلم عن حفظ مؤسسات الدولة وهيبة الدولة وامن الدولة والامن الشخصي للمواطنين يأتي قبل شيء، وغيرها من التصريحات اللي بتلعب على وتر الامن وبقاء النوع البشري)، وفي الحالة دي لا مستوى تعليمي بيفرق ولا خلفية اجتماعية ولا أي حاجة بتفرق، غالبية الناس بتكون سواء في إعطاء التفويض للسلطة التنفيذية لانتهاك حرياتهم وحقوقهم في حالة الخطر، أمريكا أهي بجلالة قدرها وبمستوى التعليم العالي لغالبية مواطنيها، فيه منهم ناس مؤمنة ايمان صادق وعميق بكل ما يقوله المجنون اللي اسمه ترامب، ومع كل هجوم على ترامب تَمَسُك الناس دي بيه بيزيد ومش بيقل خالص، عشان كده باشوف كلام المصريين اللي قاعدين فوق في برجهم العاجي عن الشعب الجاهل اللي مش عايز حرية، واللي ما يستهلش التضحيات اللي البهوات دول عملوها عشان يجبوله الحرية – كلام خايب وتافه وسطحي، فيه نسبة معتبرة الطبقة المتوسطة المصرية وتقريبا كل الطبقة العليا، اكدت مرارا وتكرارا ان ما عندهاش مشكلة تمص للسيسي عشان ينقذهم من الاخوان والإسلاميين اللي هايجبروهم انهم يغيروا نمط حياتهم.
  • التطبيع مع حالة الاستثناء وان الناس تبقى اسرى تصورات للعالم شديدة العنصرية وانحيازهم لخيارات سياسية شديدة الانحطاط امر مش جديد على الجنس البشري عامة ولا على المجتمع الأمريكي خالص، التصورات دي دايما موجودة ولها مؤيدين، مشكلة التصورات دي بتظهر لما تنتقل من هامش المجتمع لتكون هي التيار الرئيسي Mainstream في المجتمع، لان تحولها ده بيحول الاجتماع البشري في مجتمع معين لحالة مجتمع الخوف، ومن ثم يسهل السيطرة عليه وتوجيهه من جانب السلطة، والسلطة في الحالة دي ما بتحتاجش لأدوات سيطرة كتيرة ومعقدة لاستكمال هيمنتها على المجتمع، لا بالعكس ممكن واحد تافه وجاهل زي احمد موسى وتوفيق عكاشة او بيل اوريالي هنا في فوكس نيوز يكونوا أدوات فاعلة للترويج وثبيت اركان الحالة دي، ولما تشوف الحالة دي الواحد بيحس اد ايه احنا عايشين لحظة تافهة جدا من وجودنا على كوكب الأرض، وان ازاي ناس زي ترامب والسيسي بالتفاهة والعبط ده هم رموز المرحلة، ولهم مؤيدين أقحاح كمان، لحظة شديدة البؤس والتعاسة بجد.

طيب السؤال دلوقتي هل ترامب بتفاهته وعنصريته دي ممكن يبقى رئيس أمريكا القادم او حتى يبقى مرشح الحزب الجمهوري؟ صحيح يبان من المتابعة للساحة السياسية الأمريكية انه ممكن على الأقل يبقى مرشح الحزب الجمهوري، ترامب متصدر لاستطلاعات الراي من ساعة ما ظهر، وتحول تدريجيا من مجرد اراجوزentertainer  في السباق الرئاسي، ومافيش حد على الساحة السياسية الأمريكية كان واخده بجدية، لحد ما اصبح الاراجوز ده متصدر السباق، وتطورت الأسئلة المتعلقة بوجوده من لماذا دخل ترامب السباق الرئاسي وهل يمكن ان يستمر؟  الى لماذا يحقق ترامب تقدم مستمر في استطلاعات الراي؟ الى لماذا أصبح ترامب المرشح الأول في قائمة المرشحين الجمهوريين؟ الى هل يكون ترامب وكارسون هم مرشحي الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الامريكية؟ والسؤال الان هل يمكن ان يترشح ترامب مستقلا اذا لم يحصل على تذكرة ترشح الحزب الجمهوري؟

الإجابة عن السؤال ده لازم تيجي في سياق عدة أمور، أولها ان جزء من جاذبية ترامب بين مؤديه انه مش مرشح تقليدي، بمعني انه مش سياسي متمرس ومخضرم تدرج في مناصب سياسية وتنفيذية دالخ العملية السياسية الأمريكية، ترامب جاي من خارج الساحة السياسية في أمريكا، رجل اعمال كل مؤهلاته هى امبراطوريته العقارية والمالية اللي بناها على مدار سنوات، وهو بيعرض نفسه على انه Anti-establishment، والطرح ده اللي مديله جاذبية بين مؤيديه (المحافظين الاقحاح العنصريين والمعادين لكل من هو ليس من طائفتهم)، متابعة احاديث هؤلاء يوضح انهم سئموا من الوجوه السياسية المعروفة، وفشل هذه الوجوه في التعبير عنهم وعن مصالحهم، ومن ثم وجدوا في ترامب ضالتهم، لانه بيضرب بعرض الحائط كل ما يأتي في سياق الـ Establishment، او كلا ما هو متعارف عليه في تقاليد العملية السياسية الأمريكية، كمان هو بيضرب بعرض الحائط كل ما يمكن اعتباره Politically correct، عشان كده 68% من المؤيدين اعلنوا انهم هايصوتوا لترامب حتى لو ترشح كمستقل. بس النسبة دي مش ممكن تخلي ترامب يكسب انتخابات الرئاسة، لان في النهاية نسبة المؤيدين دول ها تفضل تقريبا ثابتة، لان ترامب بخطابه وسياساته مش هايقدر يوسع القاعدة الاجتماعية اللي ممكن تصوتله، يعني القاعدة في أحسن الأحوال مش هاتخرج عن مجموعة المجانين دول اللي عايشين في بلاعتهم المنحطة.

ثانيا صحيح انحيازات الحزب الجمهوري السياسية والاجتماعية والاقتصادية انحيازات ممكن نتكلم في سلبياتها ونقدها من هنا لحد بكرة الصبح، بس هي انحيازات تظل في حدود المسموح بيها على الأقل أمريكيا، وعشان كده بنلاقي الحزب بياخد الأغلبية في الكونجرس، وبنلاقي جمهوري في منصب الرئاسة، وساعات الحزب بيجمع بين الاتنين، ولكن ما يفعله ترامب هو خروج عن الخط الرئيسي  للفكر المحافظ (اللي انا شايفه منحط في مجمله)، ما يراه غالبية قيادات الحزب الجمهوري الان ان ترامب اصبح عبء على الحزب، لانه عدى المعدل الطبيعي لانحيازات الحزب المنحطة، يعني ترامب عدى مرحلة الجنون المسموح بيه داخل الحزب، وده بان جدا في الهجوم الكبير عليه من جانب صقور الحزب الجمهوري، دا حتى ديك تشيني يا مؤمن قال ان ما يقوله ترامب يعارض ما تؤمن به أمريكا، ومن ثم اعتقد انه ستكون هناك ترتيبات مؤسسية داخل الحزب الجمهوري يكون هدفها هو إزاحة ترامب من المشهد الانتخابي الجمهوري.

النقطة التالتة مرتبطة باللي قبلها، وهو ان الحزب الجمهوري من المؤكد عايز يدخل البيت الأبيض تاني ويحتل منصب الرئاسة، والحزب مدرك تماما ان نجاح ترامب في ان يكون مرشح الحزب الجمهوري في الانتخابات، يجعل فرص منافستهم على منصب الرئاسة شبه مستحيل، خاصة ان خطاب ترامب وجنونه يسهل تفكيكه ونقده بسهولة، من قبل سياسية مخضرمة زي هيلار كلينتون (اللي بالمناسبة انا ما بطيقش أمها لا سياسيا ولا كشخصية عامة) ليس فقط على أرضية حقوقية ولكن على أرضية السياسة ايضا، بس للأسف الخيارات المتاحة قدام الحزب محدودة او شبه معدومة، لان كل المنافسين لترامب ضعفاء جدا، فالتحدي امام الحزب الان هو ان يتستطيعوا تحويل أحد هؤلاء القابعين في مؤخرة السباق خلف ترامب ليكون قادرا على إزاحة ترامب من المشهد، لحد دلوقتي المعلن من سياسية الحزب هو تكثيف الهجوم على ترامب وخطابه، وهو أسلوب يثبت فشله كل يوم، لان مع كل هجوم تمسك المؤدين بترامب بيزيد.

وأخيرا خطاب ترامب – زي ما قال اشرف الشريف – يخرج عن أمور أصبحت من المسلمات التي لا يقبل المساس بيها في المجتمع الأمريكي، خاصة فيما يتعلق بالحريات والحقوق وما يعتبره الأمريكيين “القيم الأمريكية” الراسخة، ودي مكتسبات حققها المجتمع الأمريكي عبر سنوات طويلة من الصراع المسلح (حرب الاستقلال والحرب الأهلية) والحركات الاحتجاجية غير العنيفة في معظمها (حركة الحقوق المدنية)، وبصرف النظر عن مدى تطبيق هذه القيم في الواقع، الا انها موجودة بحكم الدستور والقانون، ومحمية باطر مؤسسية قوية، وبتكون في مجملها التيار الرئيسي Mainstream في المجتمع الأمريكي، ودا بيظهر من رد الفعل تجاه سياسات ترامب وتصرحاته العنصرية، مش بس ضد المسلمين لا كمان ضد المرأة والمهاجرين اللاتينو وذوي الاحتياجات الخاصة، بعد كل تصريح عنصري تنتفض وسائل الاعلام – مش فوكس نيوز طبعا – ومنظمات المجتمع المدني المعنية بالدفاع عن الحقوق والحريات وحتى الافراد العاديين ضد ترامب، ويتم التحذير من خطورته على القيم الامريكية، وتهديده للولايات المتحدة باعتبارها دولة قامت على اكتاف المهاجرين، ومثلت لهم بوتقة صهر.

وطبعا كل اللي انا كتبته بيورينا اد ايه احنا عايشين في لحظة تافه وبائسة اوي، عشان اقعد كام ساعة اكتب عن مجنون ومعتوه زي ترامب، بس هانعمل ايه المعاتيه هم من يحركون التاريخ للأسف يا شيخنا ماركس.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s